هذا المحتوى تعليمي يشرح الآلية العامة لعمل الأسواق المالية، وليس نصيحة استثمارية، ولا يتناول حدثاً أو شركة أو ورقة مالية بعينها.
كيف يمكن لمستثمر أن يبيع سهماً لا يملكه أصلاً، ثم يُقفل صفقته بشراء نفس السهم لاحقاً؟ هذا بالضبط ما يحدث في عملية “البيع على المكشوف”، وهي أداة تتيحها البورصة المصرية بموجب ضوابط دقيقة تضعها الهيئة العامة للرقابة المالية، الجهة المنوطة بالإشراف على سوق المال في مصر. الإجابة تكمن في منظومة إقراض الأوراق المالية، التي تربط بين من يملك الأسهم ولا ينوي التصرف فيها فوراً، ومن يريد الاستفادة من توقعاته لحركة السعر عبر اقتراضها مؤقتاً وبيعها.
أي الأسهم يمكن اقتراضها والبيع عليها؟
لا يخضع كل سهم مُدرج في البورصة المصرية لآلية البيع على المكشوف والإقراض. فبموجب القواعد التي تصدرها الهيئة العامة للرقابة المالية بالتنسيق مع إدارة البورصة، تقتصر هذه العمليات على قائمة محددة من الأوراق المالية تُراجَع وتُحدَّث بشكل دوري. وتشترط هذه القائمة عادة أن يكون السهم من الأسهم النشطة ذات السيولة المرتفعة، وأن تتوافر فيه نسبة كافية من الأسهم الحرة المتداولة، إلى جانب استقرار نسبي في حجم وقيمة التداول اليومي. والهدف من هذا التقييد هو الحد من مخاطر التلاعب بالأسعار أو حدوث اختناقات في السيولة قد تنشأ عن السماح بالاقتراض والبيع على أسهم قليلة التداول أو محدودة الطرح.
كذلك تفرض الضوابط أن تتم عمليات البيع على المكشوف عبر شركات الوساطة المرخص لها تحديداً بمزاولة هذا النشاط، وليس عبر أي وسيط عادي، إذ يتطلب الأمر ترخيصاً إضافياً من الجهة الرقابية يغطي أنشطة الهامش والإقراض والاقتراض على حد سواء.
الضمانات ومتطلبات الهامش
يقوم الإطار التنظيمي على مبدأ أساسي مفاده أن أي طرف يقترض أسهماً لبيعها لا بد أن يقدم ضماناً يغطي قيمتها، بل ويزيد عليها بهامش أمان إضافي. ويمكن أن يكون هذا الضمان نقدياً أو في صورة أوراق مالية أخرى مقبولة، ويُحتفظ به لدى الوسيط طوال مدة الاقتراض. ولأن أسعار الأسهم تتحرك يومياً، تخضع قيمة الضمان لعملية تقييم مستمرة بالسعر السوقي، بحيث إذا ارتفع سعر السهم المقترض وزادت بذلك قيمة الالتزام على المقترض، يُطالَب هذا الأخير بضخ ضمانات إضافية عبر ما يُعرف بنداء الهامش. وإن لم يستجب خلال المهلة الزمنية المحددة، يحق للوسيط تصفية المركز جبرياً لحماية حقوق المُقرض.
هذه الآلية تحمي الطرفين معاً: فهي تضمن للمُقرض استرداد أسهمه أو قيمتها الكاملة في جميع الأحوال، وتحد في الوقت نفسه من قدرة المقترض على تكديس مراكز مكشوفة تفوق قدرته المالية على تغطيتها.
كيف يُربط المقرضون بالمقترضين؟
عملياً، لا يتفاوض حامل الأسهم الراغب في إقراضها مباشرة مع من يريد اقتراضها. فالعملية تمر عبر شركات الوساطة والجهات الحافظة المرخص لها، التي تجمع عروض الإقراض المتاحة من مستثمرين مؤسسيين أو أفراد لا ينوون التصرف في أسهمهم خلال فترة الإقراض، وتضع هذه الأسهم في مجمّع يمكن لطالبي الاقتراض السحب منه مقابل رسم إقراض متفق عليه. وتحدد اتفاقية الإقراض مدة القرض، وشروط استرداد الأسهم قبل موعدها إذا احتاج المُقرض لبيعها، إلى جانب طريقة احتساب الرسوم المستحقة.
وتتولى منظومة المقاصة والتسوية المركزية للسوق مهمة تسجيل نقل الملكية المؤقت للأسهم المقترضة، والتأكد من أن عملية البيع على المكشوف تُسوّى فعلياً بتسليم الأسهم في الموعد المحدد، تماماً كما يحدث في أي صفقة بيع عادية. وحين يقرر المقترض إغلاق مركزه، يشتري كمية مماثلة من السهم من السوق ويعيدها إلى المُقرض، لتُغلق الحلقة وتُفرج الضمانات المحتجزة. هذا الترابط بين الوسيط والمُقرض والمقترض وجهة التسوية هو ما يمنح السوق المصري القدرة على استيعاب هذه الأداة دون الإخلال باستقرار عمليات التداول اليومية.