هذا المقال تفسيري وتثقيفي يشرح آلية عمل سوق عامة، وهو لا يمثل نصيحة استثمارية ولا يتناول شركة أو أداة مالية أو حدثا محددا بعينه.
قبل أن تعرف الحكومة المصرية بكم جنيه ستقترض في الأسبوع المقبل، ولا حتى بأي سعر فائدة، تكون الإجابة قد تشكلت بالفعل داخل غرفة تداول ضيقة لا يدخلها سوى عدد محدود من البنوك. فكل أسبوعين تقريبا، تطرح وزارة المالية المصرية عبر البنك المركزي المصري أذون خزانة وسندات حكومية بالمزاد، لكن الجمهور والمستثمرين الأفراد لا يشاركون في هذا المزاد مباشرة. فمن يحدد إذن السعر الذي تقترض به الدولة، وكيف تتقاسم البنوك المشاركة الكميات المطروحة؟ الإجابة تكمن في نظام “التجار الأساسيين” الذي يقف حجر الزاوية في سوق الدين الحكومي المصري.
من هم التجار الأساسيون ولماذا يحتكرون المزاد؟
التجار الأساسيون هم مجموعة من البنوك المرخصة التي يختارها البنك المركزي المصري، بصفته الوكيل المالي للحكومة، لتكون الوسيط الحصري في مزادات أذون الخزانة والسندات. تلتزم هذه البنوك بتقديم عطاءات في كل مزاد يُطرح، وتتحمل في المقابل التزامات بصنع سوق ثانوية نشطة، أي الاستمرار في عرض وشراء هذه الأدوات بعد المزاد لضمان وجود سيولة يستطيع من خلالها مستثمرون آخرون، من بنوك أصغر وشركات تأمين وصناديق استثمار وأفراد عبر وسطائهم، الدخول إلى السوق أو الخروج منها. بهذا الترتيب، يضمن البنك المركزي التعامل مع عدد محدود من الأطراف الموثوقة والملتزمة، بدلا من إدارة مزاد مفتوح لعدد غير محدود من المشاركين، وهو نموذج تعتمده أسواق دين حكومية أخرى حول العالم بصيغ متقاربة.
كيف تُقدَّم العطاءات التنافسية؟
عند الإعلان عن مزاد جديد، يحدد البنك المركزي المصري نوع الأداة (أذون خزانة بآجال تتراوح عادة بين ثلاثة أشهر وسنة، أو سندات بآجال أطول) والحجم الإجمالي المطروح. يقوم كل تاجر أساسي بتجميع طلبات عملائه إلى جانب مراكزه الخاصة، ثم يقدم عطاءات تنافسية يحدد فيها الكمية التي يرغب في شرائها عند كل مستوى من مستويات العائد المطلوب. بمعنى آخر، لا يقدم التاجر سعرا واحدا فقط، بل جدولا من الأسعار والكميات المرتبطة بها، يعكس تفاوت شهية المشترين المختلفين تجاه المخاطرة والعائد. كلما كان العائد الذي يطلبه المتقدم أقل، كان ذلك مؤشرا على استعداده لقبول تكلفة اقتراض أقل للحكومة، والعكس صحيح.
بجانب العطاءات التنافسية، قد يُسمح في بعض الحالات بتقديم طلبات غير تنافسية بكميات محدودة، حيث يوافق المتقدم على قبول السعر المتوسط الذي يسفر عنه المزاد دون تحديد عائد بعينه. لكن جوهر عملية اكتشاف السعر يظل قائما على العطاءات التنافسية التي يقدمها التجار الأساسيون.
كيف يُحدَّد سعر القطع وتوزَّع الكميات؟
بعد إغلاق باب تقديم العطاءات، يرتب البنك المركزي العطاءات تصاعديا بدءا من أقل عائد مطلوب، ثم يبدأ في قبولها تباعا، عائدا بعد آخر، حتى يصل إجمالي الكميات المقبولة إلى الحجم الذي تريد الحكومة اقتراضه. آخر عائد يُقبل عنده الحد الأقصى من الكمية المطروحة يُعرف باسم “سعر القطع” أو العائد الحدي، وهو ما يتحول عمليا إلى تكلفة الاقتراض الفعلية على الحكومة في تلك الشريحة من الدين.
أما آلية التوزيع، فتتبع غالبا أسلوب المزاد الموحد، حيث يحصل جميع الفائزين، سواء طلبوا عائدا أقل من سعر القطع أو ساووه تماما، على السعر ذاته بغض النظر عن العائد الذي حددوه أصلا في عطائهم. أما العطاءات التي طُلب فيها عائد أعلى من سعر القطع فتُستبعد بالكامل ولا يُخصص لها شيء. وفي حال تجاوز إجمالي الطلبات عند مستوى سعر القطع نفسه الكمية المتبقية من المزاد، يُوزَّع الفارق على هؤلاء المتقدمين بشكل تناسبي وفقا لحجم عطاء كل منهم. بهذه الطريقة، يوازن النظام بين تحقيق أقل تكلفة تمويل ممكنة للحكومة وضمان مشاركة واسعة من البنوك في كل مزاد، بما يحافظ على استقرار وعمق سوق الدين الحكومي المصري على المدى الطويل.