هذا محتوى تثقيفي يشرح آلية عمل الأسواق المالية بشكل عام، ولا يمثل نصيحة استثمارية، ولا يصف حدثاً أو شركة أو ورقة مالية بعينها.

في الأيام الأولى من تداول أي اكتتاب عام ناجح في الإمارات، يجد المتعهدون أنفسهم أحياناً في موقف يبدو متناقضاً: فقد باعوا للمستثمرين عدداً من الأسهم يفوق ما كان متاحاً فعلياً وقت الإدراج. كيف يمكن لجهة مالية منظمة أن تبيع أوراقاً مالية لا تملكها من الأساس، ولماذا تسمح الأطر الرقابية بذلك بدل اعتباره تجاوزاً؟ الإجابة تكمن في أداة قديمة العهد نسبياً، معروفة في أوساط المصرفيين باسم “الخيار الأخضر” أو خيار الشراء الإضافي، وهي آلية مصممة خصيصاً لامتصاص فائض الطلب وحماية استقرار السهم في أول أسابيع تداوله، دون أن تشكل التزاماً دائماً على أي طرف من أطراف الصفقة.

لماذا يبيع المتعهدون أكثر مما هو متاح فعلياً؟

عند بناء سجل الأوامر وتحديد سعر الطرح النهائي، يحرص المتعهدون على تلبية الطلب دون التسبب بندرة مصطنعة تدفع السعر للتذبذب الحاد فور الإدراج. في الاكتتابات ذات الإقبال المرتفع، وهي سمة متكررة في سوقي أبوظبي للأوراق المالية ودبي المالي، تمنح اتفاقية الاكتتاب المتعهد الرئيسي صلاحية تخصيص عدد إضافي من الأسهم للمستثمرين يتجاوز حجم الطرح الأساسي، بنسبة تُحدَّد مسبقاً في نشرة الإصدار وتبلغ عادة نحو 15 بالمئة من الطرح. بهذا التخصيص الإضافي، يصبح المتعهد من الناحية الفنية في مركز بيع مكشوف، أي أنه باع أسهماً أكثر مما يحوزه في تلك اللحظة بالذات.

كيف تُغطى هذه الفجوة عبر اقتراض الأسهم؟

لتغطية هذا الفارق، يتضمن اتفاق الاكتتاب عادة بنداً يمنح المتعهد حق اقتراض عدد من الأسهم يساوي نسبة التخصيص الإضافي من المساهمين البائعين، أي الجهات المالكة للأسهم قبل الطرح، وذلك بسعر الاكتتاب نفسه. هذا الترتيب هو جوهر “خيار الشراء الإضافي” بمعناه الدقيق: حق وليس التزاماً، يتيح للمتعهد لاحقاً أن يشتري تلك الأسهم المقترضة من المساهمين البائعين لتسوية القرض، ضمن مهلة زمنية محددة سلفاً في نشرة الإصدار، تمتد في العادة إلى نحو 30 يوماً من تاريخ الإدراج.

خلال هذه المهلة، يحمل المتعهد التزاماً مزدوجاً: تسوية القرض من جهة، والحفاظ على انتظام السوق من جهة أخرى. وهذا ما يفسر لماذا يُنظر إلى الخيار الأخضر باعتباره أداة إدارة مخاطر أكثر من كونه وسيلة لتوسيع حجم الطرح فحسب، إذ يمنح المتعهد مرونة في التعامل مع تحركات السعر خلال المرحلة الأكثر حساسية من عمر السهم كورقة مدرجة حديثاً.

نافذة الاستقرار: أداة تعمل في اتجاهين

بعد بدء التداول، يتولى المتعهد الرئيسي عادة دور “وكيل الاستقرار”. إذا هبط سعر السهم دون سعر الطرح، نتيجة ضغط بيعي أو تخارج بعض المكتتبين قصيري الأجل، يقوم وكيل الاستقرار بشراء الأسهم من السوق المفتوحة عند ذلك السعر المنخفض، ثم يستخدم هذه الأسهم لتسوية مركزه المقترض بدلاً من إعادة الأسهم الأصلية إلى المساهمين البائعين. هذا الشراء يضيف طلباً حقيقياً إلى السوق في لحظة ضعف، ما يخفف من حدة الانخفاض ويمنح السهم مساحة زمنية للاستقرار قرب سعر الطرح.

أما إذا ارتفع السعر واستقر فوق سعر الطرح، فإن الشراء من السوق المفتوحة يصبح أكثر كلفة من اللجوء إلى الاتفاق الأصلي. في هذه الحالة، يمارس المتعهد خيار الشراء الإضافي فعلياً، أي يشتري الأسهم المقترضة من المساهمين البائعين بسعر الطرح ذاته لتسوية القرض، دون الحاجة للتدخل في السوق بشراء أغلى. وبذلك يحدد فرق السعر بين سعر الطرح وسعر السوق تلقائياً أي المسارين يُستخدم: التدخل الشرائي عند الضعف، أو التسوية المباشرة عند القوة. وكلا المسارين يخضعان للإفصاح الكامل في نشرة الإصدار، ولرقابة هيئة الأوراق المالية والسلع في الإمارات، بما يتسق مع معايير مماثلة تتبناها هيئات تنظيمية أخرى حول العالم بإشراف من منظمات دولية معنية بتنظيم الأسواق مثل المنظمة الدولية لهيئات الأوراق المالية.