ملاحظة تحريرية: هذه مادة تعليمية عامة تشرح قواعد الاستثمار الأجنبي في الأوراق المالية السعودية، وليست نصيحة استثمارية، وهي مبنية على المصادر الرسمية المدرجة في نهايتها.
تحليل: أثر نقل القيد من الدخول إلى الحجم
حين يكون القيد على الدخول، فإن السؤال الذي يواجه المستثمر هو هل أنا مؤهل. وحين ينتقل القيد إلى الحجم، يصبح السؤال هل بقيت مساحة. الفارق عملي وليس لفظياً: السقف الفردي البالغ 10% يعتمد على قرار المستثمر وحده، أما السقف الجماعي البالغ 49% فيعتمد على سلوك مستثمرين آخرين لا يعرفهم ولا يستطيع التنسيق معهم. ولهذا السبب تحديداً وضعت القواعد واجب نشر الإحصائية على السوق لا على المستثمر: المعلومة الوحيدة التي تجعل السقف الجماعي قابلاً للتشغيل هي معلومة مجمعة لا يملكها أي طرف في السوق سوى المشغل.
الأثر الثاني أن كلمة سقف تفقد معناها الموحد على مستوى السوق. القيود تتراكب من أربعة مصادر مختلفة: نص الهيئة، والنظام الأساس للشركة، وقيود الجهات المختصة القطاعية، ثم الاستثناء الكامل للمُصدر الأجنبي المدرج في السوق الرئيسية. النتيجة أن نسبة الملكية الأجنبية المتاحة رقم خاص بكل ورقة مالية، وقراءته على مستوى السوق كلها قراءة خاطئة بنيوياً.
الأثر الثالث يخص المستثمر الاستراتيجي. الإعفاء من السقفين ليس ترخيصاً بل صفقة: تعريف يشترط نية التملك لمدة لا تقل عن سنتين وغرضاً مرتبطاً بأداء الشركة، يقابله منع بيع لمدة سنتين مطبق عبر الوسيط. وهذا يجعل الفئة أقرب في أثرها إلى قفل تعاقدي على العرض منها إلى امتياز استثماري، ويعني أن نمو حصة هذه الفئة في إحصائيات السوق يقلص العرض القابل للتداول قبل أن يظهر أثره في أي مؤشر آخر.
ما لا تثبته هذه القواعد يستحق التصريح: هي لا تتناول المعالجة الضريبية، ولا ترتيبات الحفظ، ولا تحويل العوائد إلى الخارج، ولا تمنح أفضلية في التخصيص عند الطروحات. وهي لا تعلو على النظام الأساس للشركة المدرجة.
السياق يوضح لماذا يهم هذا التفصيل. أنهت السوق الرئيسية الربع الأول من 2026 بـ269 شركة مدرجة ومؤشر عام عند 11,249.54 نقطة وفق النشرة الإحصائية للهيئة، بينما ذكرت مجموعة تداول السعودية 474 ورقة مالية مدرجة في نهاية يونيو وقيمة سوقية بلغت 9,475.13 مليار ريال، مع تحول تركيبة السوق الرئيسية إلى غلبة مؤسسية في قيمة التداول منذ منتصف 2025 وبلوغ تداولات المؤسسات 181 مليار ريال في الربع الثاني من 2026. القارئ الذي يريد قياس الحيز الأجنبي المتبقي في ورقة بعينها يجد أدواته في مكانين فقط: إحصائيات الملكية التي تنشرها السوق، والنظام الأساس للشركة نفسها.
ما تقوله الوثائق
الصورة الشائعة عن دخول الأجانب إلى السوق السعودية ما زالت مرسومة على شكل بوابة تأهيل يمر بها المستثمر المؤسسي قبل أن يُسمح له بالشراء. النص النافذ اليوم يقول شيئاً مختلفاً. قواعد الاستثمار الأجنبي في الأوراق المالية، الصادرة بقرار مجلس هيئة السوق المالية رقم 2-26-2023 وتاريخ 5/9/1444 الموافق 27/3/2023، والمعدلة بقرار المجلس رقم 1-2-2026 وتاريخ 16/07/1447 الموافق 05/01/2026، تنص في مادتها الخامسة على أن للأشخاص الطبيعيين والاعتباريين الأجانب، سواء كانوا مقيمين أو غير مقيمين، الاستثمار في جميع الأوراق المالية المدرجة وأدوات الدين ووحدات الصناديق الاستثمارية. القيد لم يعد على حق الدخول، بل على حجم الملكية.
ما الذي تحكمه هذه القواعد وما الذي لا تحكمه
القواعد صادرة استناداً إلى نظام السوق المالية الصادر بالمرسوم الملكي رقم م/30 وتاريخ 2/6/1424. غرضها المعلن في المادة الأولى هو بيان أحكام الاستثمار الأجنبي في الأوراق المالية المدرجة وأدوات الدين ووحدات الصناديق. وهي لا تخل بأحكام النظام ولوائحه التنفيذية، ومن بينها قواعد طرح الأوراق المالية والالتزامات المستمرة، ولائحة سلوكيات السوق، ولائحة مؤسسات السوق المالية، ولائحة الاندماج والاستحواذ، وتعليمات حسابات الاستثمار، وقواعد الإدراج.
القاعدة الأولى التي يغفلها كثيرون منصوص عليها في نهاية المادة الأولى: هذه القواعد لا تسري على مواطني دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية. والتعريف هنا ليس شعبياً بل نظامي: أشخاص طبيعيون يحملون جنسية إحدى دول المجلس، أو أشخاص اعتباريون غالبية رأس مالهم مملوكة لمواطني أو حكومات دول المجلس ويحملون جنسية إحدى تلك الدول، وفق التعريف الوارد في قرار المجلس الأعلى لمجلس التعاون في دورته الـ15 المعتمد بقرار مجلس الوزراء رقم 16 وتاريخ 20/01/1418. وتلزم القواعد مؤسسة السوق المالية بالتأكد من الالتزام الكامل بمتطلبات نظام مكافحة غسل الأموال ولائحته التنفيذية.
سقفان لا سقف واحد
المادة السادسة تضع القيود في طبقتين مختلفتين في طبيعتهما. الطبقة الأولى فردية: لا يجوز للمستثمر الأجنبي غير المقيم، باستثناء المستثمر الأجنبي الاستراتيجي، أن يملك 10% أو أكثر من أسهم أي مُصدر مدرجة أسهمه، أو من أداة الدين القابلة للتحويل الخاصة به. والطبقة الثانية جماعية: الحد الأقصى لما يملكه جميع المستثمرين الأجانب بكل فئاتهم، مقيمين وغير مقيمين وباستثناء المستثمرين الاستراتيجيين، هو 49% من أسهم المُصدر أو من أدوات دينه القابلة للتحويل.
فوق هاتين الطبقتين تبقى قيدان آخران خارج نص الهيئة نفسه: القيود المنصوص عليها في النظام الأساس للشركة المدرجة، وأي قيود تنظيمية أو تعليمات صادرة عن الجهات المختصة التي تخضع لها الشركات المدرجة. ولأن هذه القيود متفرقة المصدر، تلزم القواعد السوق بأن تنشر على موقعها، وفق ما تحدده الهيئة، إحصائية بنسب التملك المشمولة بالسقف الجماعي، وإحصائية بنسبة تملك المستثمرين الأجانب الاستراتيجيين في الشركات المدرجة، والقيود الواردة في الأنظمة الأساسية والقيود التنظيمية بحسب ما يصل السوق من الشركات المدرجة.
المستثمر الاستراتيجي: إعفاء مقابل التزام زمني
الفئة الوحيدة التي تخرج من السقفين معرّفة بدقة. المستثمر الأجنبي الاستراتيجي هو شخص اعتباري أجنبي يهدف إلى تملك نسبة مباشرة في أسهم شركة مدرجة لمدة لا تقل عن سنتين، بغرض الإسهام في تعزيز الأداء المالي أو التشغيلي لتلك الشركة. والمقابل مكتوب في الفقرة (ج) من المادة السادسة: لا يجوز له بيع أي من الأسهم التي تملكها وفق هذه القواعد خلال سنتين من تاريخ تملكها.
الأهم في هذه الفقرة هو موضع التنفيذ. النص لا يكتفي بمنع المستثمر، بل يضيف أن على مؤسسة السوق المالية ألا تمكّن من أي إجراء قد يخالف هذا الحكم. أي أن القيد مزروع في أنظمة الوسيط لا في عقوبة لاحقة.
وتغلق المادة باستثناء أخير: أحكامها لا تسري على استثمارات المستثمرين الأجانب بكل فئاتهم في أسهم مُصدر أجنبي مدرجة في السوق الرئيسية. كما تتيح المادة الثالثة للهيئة إعفاء أي شخص من حكم كلي أو جزئي في هذه القواعد، بناءً على طلبه أو من تلقاء نفسها، بينما تحفظ المادة الرابعة لكل خاضع لها حق التظلم أمام لجنة الفصل في منازعات الأوراق المالية.