ملاحظة تحريرية: هذه مادة تعليمية عامة تشرح آلية المقاصة والتسوية للصفقات المنفذة في السوق المالية السعودية، وليست نصيحة استثمارية، وهي مبنية على المصادر الرسمية المدرجة في نهايتها.
تحليل: أين تتركز المخاطر في هذه السلسلة
الملاحظة الأولى أن الفصل بين الوظائف ليس تنظيمياً فقط بل يحدد موقع كل نوع من المخاطر. الطرف المقابل المركزي يحمل مخاطر الائتمان بين لحظة التنفيذ ولحظة التسوية، ومركز الإيداع يحمل مخاطر سلامة السجل بعدها. ولذلك تختلف أدواتهما جذرياً: هوامش وصندوق تعثر وإجراءات إدارة تعثر في الأول، ومطابقة يومية وإجراءات تسجيل ورهون في الثاني.
الملاحظة الثانية أن الفجوة الزمنية هي أصل المشكلة وحلها في آن. يومان بين التنفيذ والتسوية يعنيان أن الطرف المقابل المركزي منكشف على تحرك السعر خلالهما، وهو ما يفسر وجود نوعي الهامش: أحدهما للانكشاف القائم والآخر للانكشاف المحتمل. تقصير الدورة يقلص هذا الانكشاف، لكنه في المقابل يضيق النافذة التي تجعل اقتراض الأوراق والبيع على المكشوف قابلين للتشغيل. النص الرسمي نفسه يذكر إتاحة البيع على المكشوف ضمن أسباب التحول، وهي مقايضة صريحة بين تقليل مخاطر التسوية وبين اتساع أدوات السوق.
الملاحظة الثالثة أن هذه الآلية لا تظهر في تجربة المتداول. حين يستطيع المشتري البيع فوراً والبائع الشراء فوراً، فإن ما يجري هو أن البنية التحتية تتحمل الفجوة نيابة عنهما. النتيجة أن حجم المخاطر المدارة في الخلفية لا يظهر في أي شاشة تداول، ويظهر أثره فقط في تكلفة الخدمات اللاحقة للتداول. وقد أفصحت مجموعة تداول السعودية عن أن إيرادات قطاع خدمات ما بعد التداول بلغت 313.6 مليون ريال في النصف الأول من 2026 بانخفاض 5.1% على أساس سنوي، مع تراجع في المقاصة والضمانات قابله نمو في خدمات السجل بنسبة 9.8%.
ما لا تثبته هذه النصوص يستحق التصريح. اللوائح تحدد ما يجب أن تحتويه قواعد الطرف المقابل المركزي ومركز الإيداع، ولا تنشر نماذج الهامش ولا معايرتها ولا حجم صندوق التعثر. القارئ الذي يريد تقدير متانة هذه السلسلة يحتاج إلى ثلاثة مصادر خارج هذه اللوائح: قواعد الطرف المقابل المركزي المنشورة، وإشعارات الأوراق المستبعدة من المقاصة، وإفصاحات إدارة التعثر متى وقعت.
ما تقوله الوثائق
مطابقة أمر بيع بأمر شراء تنهي مرحلة واحدة فقط من عمر الصفقة. بعدها تبدأ سلسلة إجرائية لا يراها المتداول: من يضمن أن الطرف الآخر سيوفي، وأين تُسجل الملكية الجديدة، ومتى ينتقل النقد والأوراق فعلياً. هذه السلسلة موزعة على ثلاث بنى مختلفة الوظائف، ولكل منها لائحة مستقلة.
من الصفقة إلى الالتزام: الطرف المقابل المركزي
لائحة الأطراف المقابلة المركزية للأوراق المالية تحدد كيف يتحول التزام ثنائي بين متداولين إلى التزامين مع جهة واحدة. المقاصة تُنفذ بإحدى آليتين تنص عليهما اللائحة: العرض المفتوح، أو الحلول محل الأطراف. وتعرّف اللائحة الآلية الثانية بأنها عملية يُبرأ بموجبها العقد الأصلي بين طرف وآخر ويُستبدل بعقدين جديدين، أحدهما بين الطرف المقابل المركزي والطرف الأول، والآخر بينه وبين الطرف الثاني.
الأثر أن أياً من المتداولين لم يعد يتحمل مخاطر الآخر، بل يتحملها كلاهما تجاه جهة واحدة. ولأن المخاطر تجمعت في نقطة واحدة، تفرض اللائحة عليها دفاعات متدرجة. أولها الهامش: تلزم اللائحة الطرف المقابل المركزي بأن تحدد قواعده متطلبات الهامش بنماذج ومعايير واضحة، وأن يفرضه ويطالب به ويحصله للحد من انكشافه الائتماني على أعضاء المقاصة. والهامش نوعان بتعريف اللائحة: هامش تغير يُحصَّل لتغطية الانكشاف الحالي، وهامش أولي يُحصَّل لتغطية الانكشاف المستقبلي المحتمل. وثانيها صندوق التعثر الذي يساهم فيه أعضاء المقاصة، وتعرفه قائمة المصطلحات المستخدمة في قواعد السوق بأنه الموارد المتاحة لدار المقاصة المكونة من أصول يساهم بها أعضاء المقاصة ويمكن استخدامها في ظروف معينة أثناء إجراءات إدارة التعثر لتغطية الخسائر أو ضغوط السيولة الناتجة عن حالات التعثر.
وتحتفظ اللائحة بصلاحية استبعاد أوراق بعينها. فللطرف المقابل المركزي أن يقرر أن أوراقاً معينة غير مناسبة للمقاصة، بما فيها غير المدرجة أو ضعيفة السيولة، فيبلغ الهيئة وينشر إشعاراً على موقعه يحددها، ولا يجوز له عندئذ أن يصبح طرفاً مقابلاً لصفقاتها، وتُستبعد من احتساب مساهمة عضو المقاصة في صندوق التعثر.
أين تُسجَّل الملكية
الوظيفة الثانية مختلفة تماماً عن ضمان التنفيذ. تشترط لائحة أسواق الأوراق المالية ومراكز الإيداع أن تكون لمركز الإيداع قواعد وإجراءات سليمة وفعالة تضمن كفاءة تسجيل الأوراق المالية المتداولة في السوق وتسويتها وفق الإجراءات النظامية. وتحدد اللائحة حداً أدنى لمحتوى هذه القواعد: قواعد وإجراءات مناسبة لحماية الأوراق المودعة بما يصون حقوق المُصدرين وحاملي الأوراق، وإجراء مطابقة يومية على الأقل لإصدارات الأوراق المالية التي يحتفظ بها، وإجراءات لإدارة تعثر أعضائه والإفصاح عنه بما يمكّنه من احتواء الخسائر وتقليل مخاطر السيولة والاستمرار في الوفاء بالتزاماته، وإجراءات لتسجيل الأوراق والرهون أو المطالبات المتعلقة بها إلى جانب فتح الحسابات والإيداع فيها وتسوية الصفقات.
شرط المطابقة اليومية على الأقل هو الأهم عملياً في هذه القائمة، لأنه يجعل السجل قابلاً للتحقق يومياً بدل أن يكون قيداً يُراجع دورياً.
لماذا يومان: ماذا يعني T+2
الحرف T يشير إلى الصفقة، والرقم المضاف يشير إلى المدة اللازمة لإتمام تسويتها. وبحسب الأسئلة الشائعة المنشورة على موقع مركز إيداع الأوراق المالية، تكتمل في دورة التسوية المطبقة تسوية جميع أنواع صفقات الأوراق المالية بعد يومي عمل من تاريخ تنفيذ الصفقة، أي T+2.
التسوية عمليتان لا واحدة. تسوية النقد هي نقل قيمة الأوراق المالية للصفقات المنفذة من حساب استثمار المشتري إلى حساب استثمار البائع. وتسوية الأوراق المالية هي نقل الأوراق من محفظة البائع إلى محفظة المشتري. والمركز يوضح أن الانتقال من دورة T+0 إلى T+2 لم يغير تجربة المتداول: المشتري يستطيع بيع الأوراق مباشرة عند تنفيذ الصفقة دون انتظار اكتمال تسوية الأوراق، والبائع يحصل على قوة شرائية تمكنه من شراء أوراق جديدة مباشرة دون انتظار اكتمال التسوية. أما سبب التحول فهو أن الوقت الإضافي يوفر أماناً أكبر للمستثمرين ويخلق سوقاً فعالة، إضافة إلى أنه يتيح البيع على المكشوف.
الارتباط بالبيع على المكشوف ليس عارضاً. يعرّف المركز اقتراض الأوراق المالية بأنه نقل مؤقت للأوراق من مالكها المقرض إلى مستثمر مقترض مع التزام بإعادتها في تاريخ لاحق متفق عليه، على أن يقدم المقترض ضماناً مالياً ويحافظ عليه بحيث لا يقل في كل الأوقات عن 100% من القيمة السوقية الحالية للأوراق المقترضة، وللهيئة تعديل قيمة الضمان وفق تقديرها. والبيع على المكشوف هو بيع أوراق مقترضة على أن يعيدها المستثمر للمقرض خلال مدة متفق عليها.