هذه المادة تثقيفية تشرح الإطار التنظيمي لبيع الأوراق المالية المقترضة في مصر، وهي ليست نصيحة استثمارية، وتستند إلى المصادر الرسمية المدرجة في نهايتها.

بيع سهم لا يملكه البائع يبدو مخالفة بديهية لقواعد التداول. غير أن العملية في السوق المنظمة ليست بيعاً لمال الغير، بل سلسلة من العقود والضمانات تنقل حيازة الورقة مؤقتاً من مالك يرغب في تأجيرها إلى مستثمر يبيعها ثم يعيد شراءها ويردها. والفارق بين الوصفين هو تحديداً ما يكتبه المنظم في القرار.

في مصر مر هذا الإطار بمرحلتين. الأولى بدأت بقرار تنظيمي رقم 268 لسنة 2019 بقواعد عمليات اقتراض الأوراق المالية بغرض البيع، والثانية بدأت بقرار مجلس إدارة الهيئة العامة للرقابة المالية رقم 155 لسنة 2026 الصادر في 19 أغسطس 2026، الذي أعاد بناء الآلية حول نظام إقراض مركزي تديره شركة مصر للمقاصة. والمقارنة بين النصين تبين ما تغير في موقع مسك الأرصدة وفي السقوف الكمية وفي مواعيد التصرف عند التعثر.

البنية الأولى: قواعد 2019

نص قرار 2019 على أن تقوم شركات السمسرة بإدارة نظام إقراض الأوراق المالية وتوفير كل من العميل المقترض والمقرض ومتابعة الضمان النقدي، وإعادة استثمار حصيلة البيع والضمان النقدي، وتسليم العملاء عائد الاستثمار بالكامل بعد خصم العمولات المقررة. وكان على أمناء الحفظ إبرام عقود مع العملاء الراغبين في إقراض أوراقهم وتكوين أوعية للأوراق المتاحة للإقراض.

ووضع القرار سقوفاً كمية ثلاثة: نسبة الإقراض المحددة لكل ورقة مالية بواقع 20% من حجم الأسهم المقيدة بالشركة، وألا تتجاوز نسبة كل عميل مقرض 5% من إجمالي أسهم الشركة، وألا تتجاوز نسبة العميل المقترض ومجموعته المرتبطة نصف في المائة من إجمالي الأسهم المصدرة. وحدد الضمان المبدئي بنسبة 50%، مع إيداع حصيلة البيع والضمان لدى شركة السمسرة واستثمارهما في أدوات ذات عائد ثابت مثل الودائع البنكية وأذون الخزانة وشهادات إيداع البنك المركزي. وأبقى القرار للمقرض جميع الحقوق والعوائد المرتبطة بملكية الأوراق طوال مدة الإقراض، على أن تحصل خصماً على حساب الضمان النقدي للمقترض.

البنية الثانية: قرار 155 لسنة 2026 ونظام الإقراض المركزي

التغيير الجوهري في الإطار الجديد هو نقل مسك الأرصدة المتاحة للإقراض من شركات السمسرة إلى نظام مركزي أعدته وتديره شركة الإيداع والقيد المركزي. يحتوي النظام على أرصدة الأوراق المالية المتاحة للإقراض، ويتيح للعميل المقترض الاطلاع على جميع عروض الإقراض المتاحة من العملاء المقرضين واختيار ما يتوافق مع أهدافه، كما يتيح للمقرض الاطلاع على عروض الإقراض الأخرى المسجلة على النظام.

وتغيرت السقوف الكمية أيضاً. فبحسب التفاصيل الفنية المعلنة، لا تزيد نسبة ما يقترضه كل عميل وأشخاصه المرتبطة على 2% من إجمالي عدد الأوراق المالية حرة التداول للشركة المقيدة، مع تخصيص نسبة 5% بحد أقصى للعقود المباشرة المبرمة بين شركة السمسرة والمقرض والمقترض والتي تحتفظ بها الشركة تحت مسئوليتها. والانتقال من نسبة محسوبة على الأسهم المقيدة إلى نسبة محسوبة على الأسهم حرة التداول تغيير في المقام وليس في الصياغة فقط.

وأبقى القرار على هامش الضمان النقدي بنسبة لا تقل عن 50% من القيمة السوقية للأوراق المقترضة قبل تنفيذ العملية، وأضاف إليه قاعدة سعرية صريحة: سعر بيع الأوراق المالية المقترضة يكون أعلى من آخر سعر للتداول، أو مساوياً له بشرط أن يكون آخر تغيير في سعر التداول بالزيادة. هذه القاعدة تمنع تتابع أوامر البيع المقترض على سعر هابط.

الضمان اليومي ونداء التغطية

آلية المتابعة اليومية هي قلب النظام. تحتسب القيمة السوقية للأوراق المقترضة على سعر الإقفال اللحظي خلال الجلسة. فإذا انخفضت قيمة إجمالي الضمان إلى نسبة 140% من تلك القيمة، وجب على شركة السمسرة تفعيل آلية نداء التغطية بإخطار المقترض بضرورة زيادة القيمة إلى 150% خلال يومي عمل من تاريخ الإخطار، مع حظر الدخول في أي معاملات اقتراض جديدة حتى إعادة الهامش إلى النسبة المحددة. وإذا لم يزد المقترض الضمان بعد مرور يومي عمل، ترد شركة السمسرة الأوراق المقترضة دون الرجوع إليه.

وعلى الجانب الآخر تلتزم شركة الإيداع والقيد المركزي بتقييم الأوراق المقترضة وإجمالي الضمان في نهاية كل يوم عمل على أساس آخر سعر إقفال، وبتسوية الفارق يومياً من حساب التسوية الخاص بشركة السمسرة، وبالاحتفاظ بكامل حصيلة بيع الأوراق المقترضة واستثمارها لصالح العميل المقرض اعتباراً من تاريخ التسوية في أدوات الاستثمار ذات العائد الثابت، وبسداد معدل الإقراض وعائد الاستثمار للمقرض في يومي العمل التاليين لإغلاق المركز.

كذلك حددت الشروط الجديدة لمزاولة النشاط ألا يقل صافي حقوق المساهمين بشركة السمسرة عن 5 ملايين جنيه، وأن يرتفع الحد إلى 10 ملايين للشركات الراغبة في مزاولة عمليات الشراء بالهامش والشورت سيلينج معاً، وألا يقل متوسط نسبة صافي رأس المال السائل عن 15% خلال الأشهر الستة السابقة على تقديم الطلب.

من يملك الحقوق أثناء الإقراض

نقطة يخطئ فيها كثيرون: المقرض لا يتنازل عن مزايا ملكيته. ينص الإطار الجديد على تمتع المقرض بالحقوق والمزايا المرتبطة بالأوراق المالية المقترضة، بما في ذلك التوزيعات النقدية والعينية وحقوق الاكتتاب. أما حق التصويت فيكون لمالك الورقة المالية في تاريخ انعقاد الجمعية العامة، وهو تمييز دقيق يفصل الحقوق المالية عن الحق الإداري. وتلتزم شركة الإيداع والقيد المركزي بتعديل كمية الأوراق المقرضة والمقترضة إذا أثرت هذه الحقوق على الكمية الإجمالية للأوراق المصدرة بالزيادة أو النقصان.

وفي حالة إلغاء ترخيص شركة السمسرة أو وقفها عن مزاولة النشاط، تحول مراكز العملاء المقترضين وضماناتهم إلى شركة أخرى موافق لها من الهيئة أو يغلق المركز وفقاً لرغبة العميل خلال 5 أيام عمل، فإن لم يتم ذلك تغلق شركة الإيداع والقيد المركزي تلك المراكز من ذات شركة السمسرة خلال يومين وتخطر الهيئة والبورصة.

تحليل: ما الذي تغير فعلياً بين 2019 و2026

الفارق الأول في موقع المعلومة. في إطار 2019 كانت أوعية الأوراق المتاحة للإقراض موزعة على أمناء الحفظ وشركات السمسرة، أي أن العرض والطلب على الاقتراض كانا مجزأين. وفي إطار 2026 صار العرض معروضاً في نظام واحد يطلع عليه الطرفان. هذا يقلل احتمال أن يفشل الاقتراض لأسباب تتعلق بعدم العثور على مقرض لا بعدم وجوده.

الفارق الثاني في تعريف السقف. الانتقال من 20% من الأسهم المقيدة إلى 2% لكل عميل ومجموعته من الأسهم حرة التداول ينقل الرقابة من حجم الإقراض الكلي في الورقة إلى تركز المركز في يد عميل واحد، وهو ما يعالج مخاطرة مختلفة: التلاعب أو الضغط المنسق على سهم بعينه.

الفارق الثالث في المسئولية عند التعثر. النص الجديد يحدد من يتصرف ومتى ولمن، بعبارات زمنية قابلة للقياس: يومان لزيادة الضمان، ويومان لسداد العائد للمقرض بعد إغلاق المركز، وخمسة أيام لتحويل المراكز عند وقف الشركة. ما يمكن قياسه يمكن مساءلة المخالف عنه.

وهامش الضمان الإلزامي في النظام المصري ليس اختراعاً محلياً منعزلاً، بل يعكس منطقاً أوصى به مجلس الاستقرار المالي دولياً بثلاث عشرة توصية لتنظيم أسواق إقراض الأوراق المالية وإعادة الشراء، من بينها معايير دنيا لحساب هوامش الضمان التي تحد من حجم التمويل الذي يمكن الحصول عليه مقابل ورقة مالية بعينها.

وما لا يثبته الإطار أن الآلية ستستخدم فعلاً. الأدوات والقواعد شرط لازم لا كاف، والمؤشرات التي تستحق المتابعة هي أرصدة الأوراق المتاحة للإقراض المعروضة على النظام المركزي، وعدد شركات السمسرة التي استوفت شرط صافي حقوق المساهمين ونسبة رأس المال السائل، ونطاق قائمة الأوراق التي تسمح الهيئة بالتعامل عليها، فللهيئة صلاحية استبعاد أوراق من تلك القائمة وتعديل نسب الخصم على الضمانات ومنع عملاء أو شركات من إجراء عمليات جديدة خلال مدة محددة.