هذه المادة تثقيفية عامة تشرح قواعد الطرح والتخصيص في السوق المصرية، وليست نصيحة استثمارية، وهي مستندة إلى الوثائق الرسمية المدرجة في نهاية المقال.

تحليل: التخصيص أداة لصناعة السيولة قبل أن يكون أداة للعدالة

النقاش العام حول التخصيص يدور عادة حول الإنصاف: كم نال الفرد مقابل ما نالته المؤسسة. النصوص تكشف أولوية مختلفة. لا يوجد في شروط القيد رقم يضمن للأفراد حصة، بينما يوجد رقم صريح لعدد المساهمين بعد الطرح، ويوجد تفويض للبورصة بوضع ضوابط توزيع، ويوجد شرط لنسبة الأسهم حرة التداول. المقاييس الثلاثة كلها تقيس شيئاً واحداً هو اتساع قاعدة الملكية، وهو الشرط المادي لوجود سوق ثانوية للسهم.

الترتيب بين الرقمين يقول الكثير أيضاً. الجدول الذي يشترط 1000 مساهم يشترط معه نسبة أسهم حرة أعلى وعدد أسهم مصدرة أكبر، والجدول الذي يخفض العدد إلى 100 مساهم يرفع في المقابل نسبة الأسهم المراد طرحها. أي أن القواعد تتعامل مع عدد المالكين ونسبة الأسهم المتاحة كبديلين جزئيين: ما ينقص من انتشار الملكية يُعوض باتساع النسبة المطروحة، والعكس.

وتحديد ما لا تثبته هذه القواعد مهم بالقدر نفسه. استيفاء الحد الأدنى لعدد المساهمين لا يعني أن التوزيع متوازن، إذ يمكن أن يجتمع الحد الأدنى للعدد مع تركز شديد في الكميات. ولا يعني اعتماد نشرة الطرح أن سعر الطرح صحيح، فالنشرة تنقل دراسة مستشار مالي مستقل عن القيمة العادلة، والمراجع يبدي رأياً في الدراسة لا في السعر النهائي. القارئ المدقق ينتظر ما بعد الطرح: عدد المساهمين المعلن، وتطور نسبة الأسهم حرة التداول، ومدى استمرار السهم في استيفاء شروط استمرار القيد التي تشترط بدورها توافر الحد الأدنى لعدد المساهمين ونسبة الأسهم حرة التداول والحد الأدنى لعدد الأسهم المقيدة.

ما تقوله الوثائق

الفرق بين شريحة الأفراد وشريحة المؤسسات في الطروحات العامة المصرية ليس مجرد تقسيم إداري لطلبات الاكتتاب. هو انعكاس لهدفين تنظيميين مختلفين يجتمعان في العملية نفسها: أن يصل السهم إلى قاعدة واسعة من المالكين تكفي لخلق تداول حقيقي، وأن يمر التسعير عبر مشترين قادرين على تقييم الشركة. القواعد المكتوبة لا تتحدث عن الشريحتين بهذه الأسماء، لكنها تفرض النتيجة التي تخدمها الشريحتان، وهي أن يكون الطرح موزعاً وغير صوري. وهذه القواعد ليست نصوصاً خاملة، إذ يذكر تقرير صندوق النقد الدولي عن مصر الصادر في يناير 2026 أن خط الصفقات المعلن حتى ديسمبر 2025 يضم 11 صفقة تخارج إضافية في قطاعات ذات أولوية، إلى جانب 5 شركات مملوكة للجيش و7 شركات ضمن برنامج الطروحات، مع أربع صفقات كبرى مستهدف إغلاقها مالياً قبل نهاية البرنامج بحصيلة متوقعة قدرها 1.5 مليار دولار أمريكي.

الشرط الذي يحكم التخصيص فعلاً

في قواعد قيد وشطب الأوراق المالية بالبورصة المصرية، لا يكفي أن تُطرح النسبة المطلوبة من الأسهم. الشرط مزدوج: ألا يقل عدد المساهمين بالشركة بعد الطرح عن 300 مساهم، مع مراعاة أن تكون الأسهم المخصصة موزعة في ضوء الضوابط التي تحددها البورصة بهدف التحقق من عدم صورية الطرح. الجملة الأخيرة هي مفتاح الموضوع كله. المشرع يفترض صراحة إمكان أن يتم طرح شكلي تذهب فيه الأسهم إلى عدد محدود من الجهات المتفقة، فيضع في مواجهته اختبارين معاً: عدداً أدنى للمساهمين، وضوابط توزيع تضعها البورصة.

والعدد يختلف باختلاف الجدول. ففي حالة أخرى من حالات القيد يشترط ألا تقل نسبة الأسهم حرة التداول عن 15% على الأقل من إجمالي أسهم الشركة، وألا يقل عدد المساهمين عن 1000 مساهم، وألا يقل عدد الأسهم المصدرة المطلوب قيدها عن 20 مليون سهم. أما في قيد أسهم الشركات الصغيرة والمتوسطة فينخفض الحد إلى 100 مساهم بعد الطرح، مع اشتراط ألا تقل نسبة الأسهم المراد طرحها عن 25% من إجمالي الأسهم المقيدة للشركة أو ربع في الألف من رأس المال السوقي حر التداول بالبورصة بما لا يقل عن 10% من أسهم الشركة.

طريق بديل: هيكل مساهمين جاهز

القواعد تعترف بأن الشركة قد تصل إلى الانتشار المطلوب دون طرح جديد. تُعتبر الشركة مستوفية للشرطين إذا كان هيكل مساهميها عند تقديم طلب القيد يتضمن تملك 25% على الأقل من رأسمالها لمساهمين بخلاف المؤسسين والمساهمين الرئيسيين، وبها عدد مساهمين لا يقل عن الحد المقرر، وألا تكون أي من الأسهم المتضمنة في تلك النسبة مرهونة. الاستثناء يكشف الغاية: المطلوب هو الملكية الموزعة غير المقيدة، لا الطرح في ذاته.

ويرتبط بالتخصيص شرط إفصاحي سابق عليه. يقصد بالطرح في تطبيق هذه الشروط عرض أسهم الشركة للبيع بالبورصة بناءً على نشرة طرح أو تقرير إفصاح بغرض الطرح معتمد من الهيئة، يتضمن ما انتهت إليه دراسة المستشار المالي المستقل بتحديد القيمة العادلة للسهم، وتقرير مراقب الحسابات بشأن هذه الدراسة وفقاً لمعيار المراجعة المصري ذي الصلة. وفي حالة الشركات الصغيرة والمتوسطة تُنشر هذه المستندات على شاشات البورصة لمدة خمسة أيام على الأقل قبل بدء تنفيذ الطرح، فضلاً عن نشرها على الموقع الإلكتروني للبورصة.

ماذا يحدث إذا لم يتحقق الانتشار

القواعد تعالج الفشل بأداة اسمها القيد المؤقت، ويقصد به قيد أسهم الشركات غير المستوفاة للحد الأدنى لنسبة الأسهم المراد طرحها وعدد المساهمين ونسبة الأسهم حرة التداول. الشركة تدخل الجدول لكنها لا تدخل السوق: لا يجوز التعامل على أسهمها خلال الفترة من تاريخ القيد وحتى بدء التداول إلا بموافقة الهيئة. والمهلة محددة، إذ يعتبر القيد كأن لم يكن في حالة عدم قيام الشركة بطرح أسهمها خلال ستة أشهر من تاريخ القيد، ويجوز مد هذه المهلة بموافقة الهيئة في الحالات التي تقدرها بناءً على المبررات والخطة الزمنية التي تقدمها الشركة.

وتظهر المهلة ذاتها في نوع خاص من الشركات. فالشركات ذات غرض الاستحواذ تُقيد أسهمها بجداول البورصة المصرية وتلتزم بزيادة رأس مالها عن طريق الاكتتاب العام أو الخاص خلال ستة أشهر من تاريخ القيد، مع جواز مد المهلة بموافقة الهيئة. البنية واحدة في الحالتين: القيد أولاً، ثم واجب الوصول إلى الجمهور خلال نافذة زمنية مغلقة.

من يُعد مؤسسة في النصوص

اللائحة التنفيذية لقانون سوق رأس المال لا تترك تعريف المستثمر المؤسسي للعرف. المستثمرون المؤهلون هم المستثمرون من ذوي الملاءة المالية وفقاً للضوابط التي تضعها الهيئة، والأشخاص الاعتبارية من المؤسسات المالية وصناديق المعاشات وشركات وصناديق الاستثمار، وغيرها من الشركات والمؤسسات المتخصصة في الاستثمار في الأوراق المالية. التعريف يجمع معياراً مالياً ومعياراً مهنياً، ويُستخدم في مواضع عدة، منها أن صندوق الاستثمار المغلق يُطرح من خلال طرح خاص يقتصر على المستثمرين المؤهلين.

كما تضع اللائحة شروط صحة الاكتتاب نفسه، سواء كان عاماً أو غير عام: أن يكون كاملاً بأن يغطي جميع أسهم الشركة التي تمثل رأس المال المصدر، وأن يكون باتاً غير معلق على شرط وفورياً غير مضاف إلى أجل، وأن يكون جدياً لا صورياً، وألا يقل ما يدفعه المكتتب عند التأسيس عن ربع القيمة الاسمية للأسهم النقدية.