هذه المادة تثقيفية عامة تشرح هيكلة أدوات التمويل الإسلامي، وهي ليست نصيحة استثمارية أو فتوى، وتستند إلى المعايير والوثائق الرسمية المدرجة في نهاية النص.
الجملة المختصرة التي تتكرر في وصف الصكوك هي أن حاملها يملك أصلاً بدل أن يقرض مالاً. المعيار الشرعي رقم 2 الصادر عن سوق دبي المالي لإصدار وتملك وتداول الصكوك يحول هذه الجملة إلى شروط تعاقدية قابلة للفحص، ويحدد بدقة متى تكون الملكية حقيقية ومتى تكون الأداة في حقيقتها التزام دين في ذمة المُصدر. هذا النص هو المرجع العملي الذي يفصل صك الإجارة عن السند.
ما الذي يمثله صك الإجارة فعلياً
ينص المعيار على أن صك الإجارة لا يمثل مبلغاً معيناً من المال ولا التزام دين على طرف بعينه، بل ورقة تمثل حصة شائعة في ملكية منفعة أصل عيني، مثل عقار أو طائرة أو سفينة. هذه الجملة هي مربط المسألة كلها: مصدر العائد ليس فائدة على مبلغ، بل أجرة مستحقة عن منفعة يملكها حامل الصك.
ويميز المعيار بين نوعين من الصكوك في هذا الباب. النوع الأول صكوك ملكية أصول قابلة للتأجير، تُصدر على أساس عقدي بيع وإجارة، وتُستخدم حصيلة الإصدار لتمويل شراء أصل قابل للتأجير بعينه ومنفعته بغرض تأجيره لبائعه الأصلي أو لغيره مدة متفق عليها هي مدة الصكوك مقابل أجرة متفق عليها. والنوع الثاني صكوك ملكية منفعة الأصول، حيث يمثل الصك حصة شائعة في ملكية المنفعة دون الرقبة، ويتولد العائد من الفارق بين ثمني شراء المنفعة وبيعها.
الأثر المحاسبي منصوص عليه صراحة. يشترط المعيار أن يكون البيع حقيقياً وناقلاً للملكية شرعاً وقانوناً، وأن تخرج الأصول المبيعة من ملك البائع فتظهر في قوائمه المالية خارج الميزانية، وأن يتعلق حق حملة الصكوك بأصول الصكوك التي يملكون رقبتها لا بذمة الجهة المنشئة التي باعت الأصول. من دون هذا الشرط تعود الأداة دَيناً في ذمة المُصدر.
أين تقع الحدود التي تمنع التحول إلى دين
الشروط التي يضعها المعيار على المُنشئ هي الجزء الذي يغيب عادة عن الشرح المبسط. ينص البند 6.2 على أن مُنشئ صكوك الإجارة لا يجوز له ضمان الأصول أو المنافع التي باعها لحملة الصكوك ثم استأجرها أو اشتراها منهم، ولا أن يتحمل مسؤولية هلاكها الكلي أو تلفها أو تدهور قيمتها بعد تسليمها، لأن الضمان ينتقل بانتقال الملكية. ويقابل ذلك أن مُنشئ صكوك التمويل، من مرابحة واستصناع وسلم، يجوز له ضمان الثمن، لأنه دين في ذمته أصلاً.
ويحدد المعيار سبعة شروط لصحة بيع الأصول ثم استئجارها على أساس الإجارة المنتهية بالتمليك حتى لا تُعد بيع عينة. من بينها أن يكون البيع حقيقياً ناقلاً للرقبة والضمان معاً، وأن يتحمل حملة الصكوك تبعات الملكية فتنفسخ الإجارة عند الهلاك الكلي للأصول المؤجرة ويستحق المستأجر تخفيض الأجرة بنسبة النقص عند الهلاك الجزئي المؤثر في المنفعة المقصودة إذا لم يكن بتعديه، وأن يتحمل حملة الصكوك لا المستأجر أعباء الملكية ومصاريفها مثل أقساط التأمين والصيانة الأساسية والضرائب، وألا يرتبط عقدا البيع والإجارة ببعضهما، وأن تمضي سنة على الأقل من تأجير الأصول قبل نقل ملكيتها إلى المستأجر.
ويمنع المعيار كذلك ضمان الربح. لا يجوز لمدير صكوك الاستثمار أن يضمن لحملة الصكوك ربحاً معيناً مبلغاً مقطوعاً أو نسبة من رأس المال، لأن هذا الضمان يبطل مبدأ المشاركة في الربح. كما لا يجوز لمدير الصكوك بصفته مضارباً أو شريكاً أو وكيل استثمار أن يتعهد بإقراض حملة الصكوك عند نقص العائد المتوقع، وإن جاز له توفير تمويل متوافق مع الشريعة أو قرض حسن لتغطية النقص على أن يطالب بالمبلغ نفسه من الربح المستقبلي أو من ثمن بيع أصول الصكوك.
كيف يظهر ذلك في الإصدارات الإماراتية القائمة
الهياكل التي يصفها المعيار ليست نظرية. تصدر وزارة المالية الاتحادية صكوك خزانة بالدرهم الإماراتي، وتصفها بأنها أدوات إسلامية متوافقة مع الشريعة تصدرها الحكومة الاتحادية، وتذكر صراحة أن صكوك الخزانة تُصدر بالدرهم وفق هيكل إجارة ومرابحة متوافق مع الشريعة. وقد فتحت الوزارة قناتين للأفراد: اكتتاب مباشر في الإصدارات الجديدة بحد أدنى 1,000 درهم، وشراء حصص تجزئة في صكوك خزانة مدرجة قائمة عبر بنوك مشاركة بحد أدنى 4,000 درهم، مع توزيعات أرباح نصف سنوية وقابلية التداول في السوق الثانوية بعد الإصدار.
وفي جانب إصدارات البنوك، أدرجت ناسداك دبي في يوليو 2026 صكوكاً دائمة من الشريحة الأولى الإضافية بقيمة 300 مليون دولار لبنك عجمان، مهيكلة على أساس المضاربة بمعدل ربح 6.50 في المئة. المضاربة هيكل مختلف عن الإجارة: يصفه المعيار بأن الصك يمثل حصة شائعة في ملكية أصول المضاربة، وأن حملة الصكوك يستحقون حصة شائعة في عائد استثمارها ويتحملون مخاطر الاستثمار بنسبة ما يملكون من صكوك.
أما شروط الإدراج فهي واحدة لأدوات الدين والصكوك في سوق دبي المالي: قيمة إجمالية لا تقل عن 10 ملايين درهم أو ما يعادلها، وتعيين وكيل دفع، وتعيين أمين إذا كانت الأداة مضمونة، وتزويد السوق بالقوائم المالية السنوية المدققة خلال 90 يوماً من نهاية السنة المالية. وبلغ إجمالي الصكوك المدرجة القائمة في ناسداك دبي 98.6 مليار دولار من أصل 141 مليار دولار لكل أدوات الدين بنهاية النصف الأول من 2026.
تحليل: ما الذي تحسمه هذه الشروط وما الذي تتركه للتنفيذ
المعيار يحسم مسألة واحدة بوضوح: العائد في صك الإجارة أجرة عن منفعة مملوكة، ومن باع الأصل لا يجوز له ضمان قيمته. لكنه في الوقت نفسه يفتح باباً يقلص الأثر العملي لهذا الحسم. ينص البند 6.4 على أن المستأجر غير المدير يجوز له التعهد بشراء أصول صكوك الإجارة المنتهية بالتمليك بقيمة تعادل رصيد الأجرة الثابتة غير المدفوعة، وأن ذلك لا يُعد ضماناً لرأس المال أو للربح. أثر هذا التعهد الاقتصادي قريب من استرداد أصل المبلغ، وإن كان طريقه القانوني مختلفاً تماماً.
الفرق بين المسارين ليس شكلياً وقت الشدة. حين يهلك الأصل كلياً، ينص المعيار على انفساخ الإجارة، ولا يوجد التزام على المُنشئ بتعويض الهلاك. وحين يقع تعثر تعاقدي، تعود المسألة إلى تعهد الشراء وقابليته للإنفاذ. لذلك فإن القارئ الذي يريد قياس المخاطر لا يكفيه أن يعرف اسم الهيكل، بل يحتاج إلى معرفة ما إذا كان البيع الأول قد نُفذ بيعاً حقيقياً ناقلاً للملكية، وهو ما ينعكس في القوائم المالية للمُنشئ عبر خروج الأصول من الميزانية.
المقارنة بين إصدار وزارة المالية وإصدار بنك عجمان توضح المسافة داخل الفئة نفسها. الأول أداة سيادية بالدرهم قائمة على إجارة ومرابحة وله توزيعات نصف سنوية وحد أدنى للاستثمار يبلغ 1,000 درهم. والثاني أداة رأسمالية دائمة قائمة على المضاربة، توزيعاتها قابلة للإلغاء بحكم تصنيفها ضمن رأس المال التنظيمي. كلاهما يحمل اسم صكوك، وما يفصل بينهما هو العقد الأساسي وترتيب الأولوية عند التصفية، وهما البندان اللذان يستحقان القراءة قبل أي شيء آخر في نشرة الإصدار.