هذه المادة تثقيفية عامة تشرح آلية حوكمة قائمة في السوق المصرية، وليست نصيحة استثمارية، وهي مستندة إلى الوثائق الرسمية المدرجة في نهاية المقال.
تحليل: نقل الالتزام من عقد الشركة إلى دفتر قواعد السوق
إعفاء الشركات من تعديل نظامها الأساسي غيّر مكان وجود الالتزام: من عقد الشركة إلى قواعد القيد والترخيص. حين يكون التصويت التراكمي بنداً في النظام الأساسي، يصبح جزءاً من العقد بين المساهمين، ويُعدل بقرار من الجمعية العامة غير العادية وفق إجراءات ثقيلة. وحين يصبح شرطاً من شروط القيد والترخيص، ينتقل تعديله إلى مجلس إدارة الهيئة، وتصبح مخالفته مسألة تخص استمرار القيد لا نزاعاً بين الشركاء.
للترتيبين نتائج مختلفة على أرض الواقع. الشرط التنظيمي أسرع في التطبيق ويشمل كل الشركات المقيدة دفعة واحدة دون انتظار جمعيات عمومية متفرقة، لكنه يجعل حق الأقلية معتمداً على استمرار قاعدة رقابية قابلة للتعديل بقرار إداري، بينما البند في النظام الأساسي أبطأ في الانتشار وأصعب في السحب.
وحدود ما تحققه الآلية واضحة في النصوص نفسها. عبارة كلما أمكن ذلك مكررة في التعريف وفي شرط القيد معاً، وهي تعترف بأن التمثيل النسبي ليس نتيجة حتمية للحساب. الأقلية التي لا تحضر الجمعية أو تحضر متفرقة بلا تنسيق تخرج بلا مقعد مهما كانت طريقة العد، ولهذا أشارت الهيئة إلى أن الآلية تمكن صغار المساهمين من تكوين تحالفات فيما بينهم للحصول على مقعد أو أكثر. الحساب يمنح الفرصة، والتنسيق وحده هو ما يحولها إلى مقعد.
أما قياس الأثر فينبغي أن يكون حذراً. ربطت الهيئة جهودها في هذا الملف بتقدم مصر على مؤشر حماية حقوق صغار المساهمين في تقرير مجموعة البنك الدولي لممارسة أنشطة الأعمال لعام 2019، حيث تقدمت تسعة مراكز لتحتل المركز 72 من إجمالي 190 دولة، بعد تقدم قدره 61 مركزاً منذ عام 2015. لكن المؤشر يقيس النصوص المكتوبة لا نتائج الانتخابات الفعلية. القارئ المدقق يبحث عن شيء أضيق وأدل: تشكيل المجالس المنتخبة بعد كل جمعية، وهل ظهر فيها عضو محسوب على الأقلية أم بقيت النتيجة كما لو أن التصويت جرى بالطريقة القديمة.
ما تقوله الوثائق
في التصويت التقليدي على مقاعد مجلس الإدارة، من يملك أغلبية الأصوات يفوز بكل المقاعد. المساهم الذي يملك أقل من النصف قد يصوت في كل جولة ولا يحصل على مقعد واحد. التصويت التراكمي يغير قواعد العد نفسها، لا نسب الملكية، فيتيح لمساهم أقلية أن يحول حصته المتواضعة إلى مقعد واحد مضمون تقريباً بدل صفر مؤكد. وأثر هذه الترتيبات مقيس في ملف مصر ضمن تقرير مجموعة البنك الدولي لممارسة أنشطة الأعمال 2020، الذي منح البلاد 64.0 نقطة والمركز 57 على مؤشر حماية المستثمرين من الأقلية، مقابل 62.0 نقطة لتونس و50.0 نقطة للأردن، مع درجة كاملة قدرها 6.0 من 6 على مؤشر حقوق المساهمين الفرعي.
كيف تُحسب الكتلة التصويتية
التعريف الرسمي في قواعد قيد وشطب الأوراق المالية بالبورصة المصرية مباشر: يقصد بالتصويت التراكمي منح كل مساهم عدداً من الأصوات مساوياً لعدد الأسهم التي يملكها للتصويت بها في اختيار أعضاء مجلس إدارة الشركة، وللمساهم أن يمنح كل الأصوات التي يملكها لمرشح واحد أو أكثر من مرشح، وذلك بما يسمح بالتمثيل النسبي في عضوية مجلس الإدارة كلما أمكن ذلك.
وشرحت الهيئة العامة للرقابة المالية طريقة الحساب في دليل أصدرته عن الآلية: تُحتسب الكتلة التصويتية لكل مساهم بحاصل ضرب عدد الأسهم المملوكة له في عدد مقاعد مجلس الإدارة المطلوب شغلها من بين المرشحين. وقدمت الهيئة النظام باعتباره نظاماً إجرائياً للتصويت داخل اجتماعات الجمعية العامة فيما يخص انتخاب أعضاء مجلس الإدارة فقط، يسمح للمساهم بمنح الكتلة التصويتية التي تمثلها أسهمه لمرشح واحد أو توزيعها على أكثر من مرشح أو حتى على كل المرشحين. والغاية المعلنة تمكين مساهمي الأقلية من تركيز أصواتهم ومنحها لأحد المرشحين لضمان وجود ممثل لهم داخل المجلس.
التمثيل النسبي: الرقم الذي يحدد سقف المقعد
القواعد لا تكتفي بذكر التمثيل النسبي كهدف بل تعرفه كمياً. يقصد بالتمثيل النسبي لرأس المال في مجلس إدارة الشركة ضمان تمثيل حد أدنى من نسبة رأس المال في عضوية المجلس بما لا يجاوز 10% من أسهم الشركة لكل مقعد بمجلس الإدارة. هذا الرقم هو الذي يحول الفكرة إلى قاعدة قابلة للتطبيق، لأنه يربط المقعد بحصة محددة من رأس المال بدل تركه لحسابات متغيرة في كل جمعية.
ويقع الشرط في صلب متطلبات القيد لا في توصيات الحوكمة الاختيارية. تنص الشروط العامة للقيد بجداول البورصة على وجوب استخدام أسلوب التصويت التراكمي في انتخاب أعضاء مجلس الإدارة بما يسمح بالتمثيل النسبي في عضوية مجلس الإدارة كلما أمكن ذلك. ويقف البند إلى جانب شروط حوكمة أخرى في المادة ذاتها، منها ألا تقل نسبة تمثيل المرأة في مجلس الإدارة عن 25% أو عضوتين على الأقل، وحظر الجمع بين منصب رئيس مجلس الإدارة ومنصب العضو المنتدب أو الرئيس التنفيذي.
مسار تشريعي في ثلاث خطوات
الآلية ليست قديمة في مصر، ومسار إدخالها موثق. أدخل المشرع المصري التصويت التراكمي بموجب القانون رقم 4 لسنة 2018. وفي منتصف العام نفسه أصدرت الهيئة القرارين رقمي 154 و155 بشأن وجوب تعديل النظام الأساسي للشركات المقيدة بالبورصة المصرية والشركات العاملة في الأنشطة المالية غير المصرفية، والنص على آلية التصويت التراكمي عند انتخاب أعضاء مجالس الإدارات بما يسمح بالتمثيل النسبي، ومنحت الشركات المخاطبة مهلة لتوفيق أوضاعها حتى نهاية يوم 31 ديسمبر 2019. وقد سبق ذلك تعريف الآلية بموجب قرار مجلس إدارة الهيئة رقم 92 بتاريخ 10/6/2018، ثم تعديل التعريف بالقرار رقم 154 بتاريخ 30/9/2018.
ثم جاءت خطوة ثالثة عدّلت الجزء الإجرائي من البناء. أعلنت الهيئة في نهاية 2019 موافقة مجلس إدارتها على تعديل قواعد القيد وضوابط الترخيص بحيث يتم إعمال آلية التصويت التراكمي عند إجراء انتخابات أعضاء مجلس الإدارة، بوصفها أحد شروط القيد بالنسبة للشركات المقيدة وأحد شروط الترخيص واستمرار الترخيص ونقل الملكية بالنسبة لشركات الأنشطة المالية غير المصرفية، دون الحاجة إلى إدخال ذلك التعديل في أنظمتها الأساسية.
أين يقع المقعد داخل بقية قواعد الحوكمة
المقعد المنتخب ليس أداة الأقلية الوحيدة، وقراءته منفصلة عن بقية البناء تعطي صورة ناقصة. تشترط القواعد تشكيل لجنة للمراجعة من عدد فردي من الأعضاء لا يقل عن ثلاثة من بين أعضاء مجلس الإدارة غير التنفيذيين، وتختص هذه اللجنة بفحص ومراجعة إجراءات الرقابة الداخلية ومدى الالتزام بتطبيقها، وفحص آليات المراجعة الداخلية وخططها ونتائجها، وإبداء الرأي في شأن الإذن بتكليف مراقبي الحسابات بأداء خدمات للشركة بخلاف مراجعة القوائم المالية. وتُعفى الشركات الصغيرة والمتوسطة التي يقل رأس مالها المصدر والمدفوع عن 100 مليون جنيه من وجود لجنة مراجعة بها.
معنى ذلك أن عضواً واحداً يصل إلى المجلس عبر التصويت التراكمي قد يجد أمامه قنوات عمل تتجاوز صوته المنفرد في التصويت. المقعد يمنح حق الاطلاع وحضور المداولات وتسجيل الاعتراض في المحضر، وهي أمور تظهر لاحقاً في الإفصاحات التي تلتزم الشركة بموافاة البورصة بها فور انتهاء اجتماعات المجلس وقبل بداية جلسة التداول التالية.