هذا محتوى تثقيفي يشرح آلية عامة من آليات عمل الأسواق المالية، وهو ليس نصيحة استثمارية، ولا يصف شركة أو أداة مالية أو حدثاً بعينه في الوقت الراهن.
تخيل أنك تقرض شخصاً مبلغاً من المال، ويوافق على دفع فائدة دورية لك إلى الأبد، لكنه لا يلتزم قط بتاريخ محدد لرد أصل المبلغ. يبدو هذا مخالفاً للمنطق الأساسي للإقراض، الذي يقوم عادة على وعد واضح: “سأرد لك المال في كذا وكذا”. ومع ذلك، فإن هذا بالضبط ما يحدث في سوق السندات الدائمة (Perpetual Bonds)، وهي أداة دين موجودة وتُتداول في أسواق عالمية منذ عقود، بل إن جذورها التاريخية تعود إلى سندات أصدرتها حكومات أوروبية قبل قرون. فكيف يقبل المستثمرون شراء أداة لا تعد برد رأس المال؟ وكيف تستفيد الجهات المصدرة من هذا الشكل غير المألوف من الدين؟ الإجابة تكمن في طريقة توزيع المخاطر والعوائد بين الطرفين.
الفرق الجوهري بين السند العادي والسند الدائم
السند التقليدي هو عقد قرض له تاريخ استحقاق محدد سلفاً، سواء بعد خمس سنوات أو عشر أو ثلاثين. عند حلول هذا التاريخ، يلتزم المصدر (شركة كان أو حكومة) برد القيمة الاسمية الكاملة للسند لحامله، بالإضافة إلى ما تبقى من مدفوعات الفائدة. أما السند الدائم فيختلف في نقطة جوهرية واحدة: لا يوجد تاريخ استحقاق مبرمج مسبقاً. يستمر المصدر في دفع الفائدة (يُطلق عليها غالباً “القسيمة” أو Coupon) دورياً، لكنه غير ملزم قانونياً برد أصل المبلغ في أي لحظة زمنية محددة.
هذا لا يعني أن حاملي السند الدائم عالقون إلى الأبد. فمعظم إصدارات السندات الدائمة تتضمن ما يُعرف بـ"خيار الاستدعاء" (Call Option)، وهو حق يمنح المصدر، وليس حامل السند، إمكانية إعادة شراء السند بسعر محدد بعد مرور فترة زمنية معينة، تكون غالباً خمس أو عشر سنوات من تاريخ الإصدار. بمعنى آخر، القرار بإنهاء العلاقة الدائنة يبقى بيد الجهة المقترضة، لا المقرضة، وهذا عكس ترتيب السند التقليدي تماماً حيث يعرف المستثمر يقيناً متى سيسترد أمواله.
لماذا يقبل المستثمرون بهذا الترتيب؟
الإجابة المختصرة هي التعويض. نظراً لأن السند الدائم يحرم المستثمر من اليقين بشأن استرداد رأس المال، فإن الجهات المصدرة تضطر لدفع معدل فائدة أعلى بكثير مما تدفعه على سندات تقليدية بنفس مستوى الجودة الائتمانية. هذا الفارق في العائد، المعروف أحياناً بـ"علاوة الديمومة"، هو ما يجذب فئة معينة من المستثمرين، وخاصة صناديق الدخل الثابت التي تبحث عن تدفقات نقدية دورية مرتفعة نسبياً.
عنصر آخر مهم هو أن السندات الدائمة تحمل في العادة خصائص تجعلها أقرب إلى مزيج بين الدين والأسهم، وهو ما يُعرف في الأدبيات المالية بـ"الأدوات الهجينة" (Hybrid Instruments). فمن ناحية، لا تزال تدفع فائدة ثابتة أو شبه ثابتة كأي سند، لكنها من ناحية أخرى تحتل مرتبة أدنى في هيكل الأولوية عند التصفية مقارنة بالسندات العادية، وأحياناً تتضمن بنوداً تسمح للمصدر بتأجيل دفع الفائدة في ظروف مالية صعبة دون أن يُعتبر ذلك تعثراً رسمياً في السداد. هذه الخصائص تجعل الجهات التنظيمية والمحاسبية في بعض الأحيان تعامل السندات الدائمة كأقرب إلى رأس المال منها إلى الدين التقليدي، وهو ما يفسر لماذا تلجأ إليها مؤسسات مالية وشركات كبرى حين تريد تعزيز مؤشرات الملاءة دون إصدار أسهم جديدة تخفف من حصص الملاك الحاليين.
كيف تُقيَّم هذه السندات في السوق؟
بما أن التدفقات النقدية من السند الدائم نظرياً لا نهائية، فإن طريقة تسعيره تختلف عن السند العادي الذي يعتمد على خصم قيمة استحقاقه المستقبلية إلى القيمة الحالية. غالباً ما يُقيَّم السند الدائم بافتراض أنه سيُستدعى فعلياً عند أول فرصة متاحة للمصدر، لأن هذا هو السيناريو الأكثر ترجيحاً من الناحية الاقتصادية إذا كانت أسعار الفائدة السائدة في السوق أقل من قسيمة السند القائم. لذلك يراقب المتداولون بعناية العائد حتى تاريخ الاستدعاء الأول (Yield to Call) بقدر ما يراقبون العائد الاسمي المعلن، لأن هذا المؤشر يعكس بشكل أدق التوقعات الواقعية لعمر الأداة الفعلي.
في المحصلة، يوضح السند الدائم كيف يمكن لهندسة مالية بسيطة، وهي حذف بند واحد فقط من العقد التقليدي، أن تُنتج أداة استثمارية بملامح مخاطر ومكافآت مختلفة جذرياً عن السند العادي، مع بقائها ضمن فئة أدوات الدخل الثابت عموماً.