هذا المحتوى تعليمي يشرح آلية عمل الأسواق المالية بشكل عام، ولا يمثل نصيحة استثمارية، ولا يتناول حدثاً أو شركة أو ورقة مالية بعينها.
لماذا لا يستطيع متداول في سوق دبي المالي أو سوق أبوظبي للأوراق المالية أن يبيع سهماً لا يملكه، وينتظر لاحقاً ليشتريه ويغطي مركزه، كما يحدث في أسواق أخرى حول العالم؟ الإجابة تكمن في تصميم متعمّد وضعته هيئة الأوراق والسلع الإماراتية: فالبيع على المكشوف في الإمارات “مُغطّى” إلزامياً، بمعنى أن المستثمر يجب أن يكون قد اقترض السهم فعلياً، أو على الأقل حجز حق اقتراضه من خلال اتفاقية موثقة، قبل أن يُدخل أمر البيع أصلاً. هذا الشرط وحده يعيد تشكيل كل خطوة لاحقة في العملية، من هوية من يحق له الاقتراض إلى طريقة تسوية الصفقة في نهاية المطاف.
من يحق له اقتراض الأسهم؟
لم تُفتح آلية إقراض واقتراض الأوراق المالية في السوقين لعامة صغار المستثمرين مباشرة، بل صُممت في الأساس لتُمارَس عبر وسطاء وأعضاء تسوية مرخّصين من الهيئة والبورصتين. المؤسسات المؤهلة، مثل صناديق الاستثمار وشركات الوساطة وصناع السوق وبعض المستثمرين المؤسسيين الكبار، هي من تتعامل مباشرة مع منصة الإقراض، بينما يصل المستثمر الفرد إلى هذه الآلية عادة من خلال وسيطه الذي يتولى نيابة عنه إجراءات تحديد مُقرض للسهم المطلوب وتوقيع اتفاقية الإقراض القياسية. كما تشترط الأنظمة أن يكون السهم المطلوب اقتراضه مدرجاً ضمن قائمة الأوراق المالية المسموح بإقراضها والتي تحددها كل بورصة بشكل دوري، وهي عادة الأسهم الأعلى سيولة وتداولاً، لضمان وجود مُقرضين محتملين بأعداد كافية وتفادي مخاطر ندرة الورقة المالية في السوق.
الضمانات: الوسادة التي تحمي المُقرض
بما أن المُقرض يتخلى مؤقتاً عن أسهمه دون أن يفقد الحق فيها، يشترط الإطار التنظيمي أن يودع المقترض ضماناً يغطي كامل القيمة السوقية للأسهم المقترضة، مع هامش إضافي فوق تلك القيمة للتحوّط من تقلبات السعر خلال مدة الاقتراض. يمكن أن يأخذ هذا الضمان شكل نقد أو أوراق مالية أخرى مقبولة أو خطاب ضمان مصرفي، وتحتفظ به جهة تسوية أو أمين حفظ محايد، لا المُقرض نفسه، بحيث يظل قابلاً للتحرير الفوري في حال تعثّر المقترض عن إعادة الأسهم. والأهم أن قيمة الضمان لا تُحدد مرة واحدة عند بدء العملية، بل تخضع لتقييم يومي: إذا ارتفع سعر السهم المقترض، يُطالَب المقترض بضخ ضمان إضافي لتغطية الفارق، وإذا انخفض، يمكنه استرداد جزء من الفائض. هذه الآلية هي ما يمنع تحوّل تعثر طرف واحد إلى خسارة تلحق بالمُقرض أو بالسوق ككل.
كيف تُسوّى الصفقات القصيرة؟
بمجرد تنفيذ أمر البيع على المكشوف، تدخل الصفقة في دورة التسوية المعتادة في السوقين، والتي تجري عادة خلال يومي عمل بعد تاريخ التنفيذ، عبر مركز مقاصة يتولى تسوية الطرف المقابل لكل الأطراف، بحيث لا يحتاج المُقرض والبائع على المكشوف إلى معرفة هوية بعضهما البعض. عملياً، تُسلَّم الأسهم المقترضة فعلياً إلى المشتري في السوق عند التسوية، تماماً كما لو كانت مملوكة أصلاً للبائع، لأن اشتراط التغطية المسبقة يضمن وجودها في الحساب قبل لحظة التنفيذ. أما إغلاق المركز القصير، أي إعادة شراء الأسهم من السوق وإعادتها إلى المُقرض الأصلي، فيمكن أن يتم في أي وقت خلال مدة الاتفاقية المتفق عليها، أو عند طلب المُقرض استرداد أسهمه، وفق مهلة زمنية محددة مسبقاً في العقد. وإذا عجز المقترض عن توفير الأسهم لإعادتها في الموعد المحدد، يخوّل الإطار التنظيمي جهة التسوية أو الوسيط تنفيذ عملية شراء إجباري من السوق المفتوحة على حساب المقترض المتعثر، بحيث يُموَّل الفارق من الضمان المودع أصلاً. هذا التسلسل الكامل، من التأهيل المسبق إلى الضمان اليومي وصولاً إلى آلية الشراء الإجباري، هو ما يسمح لهيئة الأوراق والسلع بالسماح بالبيع على المكشوف في السوقين مع الحفاظ على استقرار التسوية وحماية سلامة السوق ككل.