إخلاء مسؤولية تحريري: هذا المقال محتوى تعليمي يوضح آلية عمل أدوات الأسواق المالية بشكل عام، ولا يشكل نصيحة استثمارية، ولا يصف حدثا أو شركة أو ورقة مالية بعينها.

عندما يتلقى حامل صك إجارة دفعته الدورية، لا يظهر في كشف حسابه أي ذكر لكلمة “فائدة”، بل يظهر مصطلح “إيجار” أو “توزيع أرباح”. من الخارج، تبدو هذه الأداة أشبه بسند تقليدي: سعر إصدار محدد، تواريخ دفع منتظمة، وتاريخ استحقاق نهائي تسترد فيه القيمة الاسمية بالكامل. فما الذي يجعلها مختلفة إلى هذا الحد بحيث تستوجب اسما آخر بالكامل، وتصنيفا رقابيا وفقهيا منفصلا؟ الإجابة تكمن في طبيعة العلاقة القانونية بين حامل الورقة والأصل الذي تقوم عليه، وهي علاقة ملكية لا علاقة دين، وهذا الفارق هو ما يحدد شكل الهيكلة بأكملها من أولها إلى آخرها.

ملكية بدلا من دين: الفرق الجوهري في هيكلة الصك

في السند التقليدي، يقرض المستثمر جهة الإصدار مبلغا من المال مقابل وعد بسداده مع فائدة محددة أو متغيرة، وتبقى العلاقة بينهما علاقة دائن ومدين بحتة، بصرف النظر عما تفعله الجهة المصدرة بالأموال أو عن أداء أي أصل بعينه. أما الصك، بحسب المعايير التي وضعتها هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية (AAOIFI)، فهو شهادة تمثل حصة شائعة في ملكية أصل، أو منفعة أصل، أو مشروع استثماري محدد. بمعنى آخر، حامل الصك لا يقرض مالا وينتظر استرداده مع زيادة، بل يشتري حصة في أصل حقيقي أو حق انتفاع به، ثم يحصل على نصيبه من العائد الذي يولده ذلك الأصل تحديدا.

إعلان

هذا التمييز ليس شكليا أو لغويا فحسب: فالفائدة على القروض محرمة في الفقه الإسلامي باعتبارها من الربا، بينما العائد الناتج عن تأجير أصل مملوك فعليا، أو عن تقاسم أرباح نشاط تجاري حقيقي، يعتبر مقبولا شرعا لأنه يرتبط بمخاطرة حقيقية مرتبطة بالأصل نفسه وليس بمجرد مرور الزمن على قرض نقدي.

الإجارة: كيف يتحول الإيجار إلى عائد دوري

من بين هياكل الصكوك المتعددة، مثل المضاربة والمشاركة والمرابحة، يعد هيكل الإجارة الأكثر شيوعا بين الجهات السيادية والشركات في دولة الإمارات. في هذا الهيكل، تُنشئ الجهة الراغبة في التمويل كيانا ذا غرض خاص، يشتري هذا الكيان أصلا معينا، كعقار أو أسطول طائرات أو أصل بنية تحتية، من الجهة المصدرة، ثم يعيد تأجيره إلى الجهة نفسها بموجب عقد إجارة طويل الأجل. تصدر شهادات الصكوك لتمويل عملية الشراء هذه، ويصبح حاملو تلك الشهادات ملاكا مستفيدين للأصل من خلال ذلك الكيان ذي الغرض الخاص، بحصة تتناسب مع قيمة ما اكتتبوا فيه.

بعد ذلك، تُدفع أقساط الإيجار المتفق عليها في عقد الإجارة بشكل دوري، ويقوم الكيان بتوزيعها على حملة الصكوك كعائد دوري، بدلا من دفعات فائدة. عند استحقاق الصك، يلتزم الطرف المُصدر عادة بإعادة شراء الأصل من الكيان بسعر متفق عليه مسبقا، يعرف هذا الترتيب بوعد الشراء، وتُستخدم حصيلة هذا الشراء لسداد القيمة الاسمية لحملة الصكوك. هذا التسلسل هو ما يمنح الصك سلوكا تدفقيا يشبه السند من حيث الجدولة الزمنية للمدفوعات، رغم اختلاف الأساس القانوني والاقتصادي وراءه اختلافا كاملا.

آليات الالتزام بالشريعة وموقع الإمارات في هذه السوق

لضمان توافق هذه الهياكل مع الشريعة، تخضع معظم إصدارات الصكوك لمراجعة هيئة رقابة شرعية مستقلة، تتحقق من أن العقود المستخدمة، من بيع وإجارة ووعد بالشراء، منفصلة عن بعضها قانونا وتتبع تسلسلا زمنيا سليما، بحيث لا تتحول المعاملة بأكملها إلى قرض مقنع بفائدة تحت غطاء إيجار صوري. كما تراقب هذه الهيئات نوع الأصول الأساسية للتأكد من أنها لا ترتبط بأنشطة محظورة شرعا، وأن الملكية المنقولة إلى الكيان ذي الغرض الخاص حقيقية وقابلة للتحقق، لا مجرد قيد دفتري.

تستضيف دولة الإمارات، عبر منصات مثل ناسداك دبي وسوق دبي المالي وسوق أبوظبي للأوراق المالية، وتحت إشراف هيئة الأوراق المالية والسلع، جزءا مهما من نشاط إدراج الصكوك عالميا، بفضل بنيتها التنظيمية التي تستوعب هذا النوع من الأدوات إلى جانب السندات التقليدية ضمن الإطار نفسه. وهكذا، فإن الفارق بين “الإيجار” و"الفائدة" الذي بدأ به هذا الشرح ليس مجرد اختلاف في التسمية، بل هو انعكاس لبنية قانونية واقتصادية مختلفة بالكامل، تجعل من الصك أداة ملكية في جوهرها، حتى وإن حاكت في شكلها الخارجي أدوات الدين التقليدية إلى حد كبير.