ملاحظة تحريرية: هذه مادة تعليمية عامة تشرح الإطار التنظيمي لصناعة السوق في السوق المالية السعودية، وليست نصيحة استثمارية، وهي مبنية على المصادر الرسمية المدرجة في نهايتها.

تحليل: أين تقع القدرة على التحقق وأين تغيب

الفجوة الأهم في هذا الإطار ليست ثغرة بل خيار تصميمي. النص العام يحدد من يجوز له أن يكون صانع سوق وكيف يبدأ وكيف يتوقف، لكنه يحيل المقادير الكمية، أي الحد الأدنى لحجم الأوامر والحد الأقصى للفارق السعري ونسبة الحضور الزمني داخل الجلسة، إلى إجراءات صناعة السوق وإلى اتفاقية ثنائية بين السوق وصانع السوق. النتيجة أن القارئ الخارجي يستطيع أن يعرف من هو صانع السوق على ورقة ما ومتى انتهت اتفاقيته، ولا يستطيع أن يقيس من اللائحة وحدها ما إذا كان قد أوفى بواجبه في يوم بعينه.

التوقيت أيضاً محدد بدقة أكثر مما يبدو. الالتزام مربوط بجلسة السوق المفتوحة، وهي في جدول جلسات التداول الفترة من 10:00 إلى 15:00 بالتوقيت الرسمي للمملكة، بينما تقع جلسة مزاد الافتتاح من 09:30 إلى 10:00 وجلسة مزاد الإغلاق من 15:00 إلى 15:10 وجلسة التداول عند سعر الإغلاق من 15:10 إلى 15:20. أي أن أوامر صانع السوق المستمرة هي التزام على التداول المستمر، لا على المزادين اللذين يفتحان اليوم ويغلقانه.

في سوق أدوات الدين تصبح أسعار صانع السوق مصدر السعر الرسمي وليس مجرد سيولة إضافية. تنص إجراءات التداول والعضوية على أن سعر إغلاق أدوات الدين يُحتسب من آخر سعر تداول خلال اليوم، وفي غيابه يُحتسب من متوسط أفضل سعر شراء وأفضل سعر بيع أدخلهما صانع السوق في سجل الأوامر، وفي غياب هذين الأمرين يكون سعر الإغلاق هو سعر إغلاق يوم التداول السابق. هذه تبعية مباشرة بين جودة تسعير جهة خاصة ورقم رسمي تُبنى عليه تقييمات لاحقة.

يبقى أن اللائحة نفسها تستثني صناع سوق أدوات الدين الصادرة عن حكومة المملكة من نطاق تطبيقها، وأن الإعفاء الوحيد الذي تمنحه لصانع السوق هو عدم سريان لائحة البيع على المكشوف عليه متى كان لديه اتفاقية اقتراض أوراق مالية مكتوبة وملزمة. أي أن الامتياز التنظيمي ضيق ومشروط، ومقابله رقابي بحت: سجلات عشر سنوات، وإشعار فوري عند الإخلال، واحتمال تحقق جهة مستقلة.

السياق الذي يجعل هذا كله مهماً هو حجم النشاط. ذكرت مجموعة تداول السعودية أن متوسط قيمة التداول اليومي في النصف الأول من 2026 بلغ 5.25 مليار ريال بانخفاض 9.1% عن النصف الأول من 2025، مع 474 ورقة مالية مدرجة في نهاية يونيو، وأن قيمة تداولات المؤسسات في السوق الرئيسية بلغت 181 مليار ريال في الربع الثاني. حين يتراجع النشاط الكلي بينما يتسع عدد الأوراق المدرجة، تتوزع السيولة نفسها على قائمة أطول، وهو بالضبط الوضع الذي صُمم له ترتيب تعاقدي يلزم طرفاً بالبقاء على جانبي السجل.

القارئ الذي يريد متابعة هذا الملف يملك ثلاث نقاط مراقبة قابلة للتحقق: إعلانات السوق عن إنهاء اتفاقيات صناعة سوق، والحد الأقصى لعدد صناع السوق المسموح به على ورقة بعينها، وسلوك سعر إغلاق أدوات الدين في الأيام التي لا تشهد أي صفقة.

ما تقوله الوثائق

صانع السوق ليس وصفاً مهنياً فضفاضاً في السوق السعودية، بل صفة تُمنح وتُسحب بقرار من السوق المالية السعودية وبموافقة هيئة السوق المالية. تعرّف قائمة المصطلحات المستخدمة في لوائح الهيئة وقواعدها صانع السوق بأنه مؤسسة سوق مالية مرخص لها بممارسة نشاط التعامل، تُدخل أوامر مستمرة لشراء وبيع أوراق مالية بغرض توفير السيولة لتلك الأوراق وفق اللوائح أو القواعد أو الإجراءات التي تصدرها الهيئة أو السوق. كل كلمة في هذا التعريف لها ما يقابلها في نص ملزم.

من يأذن بالنشاط أصلاً

الإذن يبدأ من لائحة أعلى. تنص المادة 33 من لائحة أسواق الأوراق المالية ومراكز الإيداع على أن للسوق أن تسمح بصناعة السوق، وأن على السوق الرئيسية الحصول على موافقة الهيئة قبل السماح بهذا النشاط. وإذا خططت السوق للسماح به وجب أن تتوافر لديها القواعد والإجراءات والأنظمة الفعالة اللازمة للنشاط ولإدارة المخاطر الناشئة عنه، وأن تتأكد بشكل مستمر من وفاء صانع السوق بتلك الأنظمة والإجراءات والقواعد.

اللائحة نفسها تضع منح صفة صانع السوق وإلغاءها ضمن إجراءات السوق، وتضيف إليها صلاحية تحديد الحد الأقصى لعدد صناع السوق على ورقة مالية بعينها. أي أن الصفة ليست مفتوحة لكل من يرغب، وعدد من يحملونها على السهم الواحد قرار تشغيلي بيد السوق.

الشروط والاتفاقية: النشاط لا يبدأ بإشعار

لائحة صناعة السوق الصادرة عن السوق المالية السعودية اعتمدها مجلس هيئة السوق المالية بقراره رقم 1-98-2022 وتاريخ 18/02/1444 الموافق 14/09/2022. تعرّف اللائحة نشاط صناعة السوق بأنه تقديم أوامر شراء وبيع مستمرة لورقة مالية مدرجة خلال جلسة السوق المفتوحة بغرض توفير السيولة لها، وفق إجراءات صناعة السوق واتفاقية صناعة السوق.

الشروط ثلاثة في جوهرها. أولها الحصول على عضوية السوق وفق قواعد التداول والعضوية. وثانيها امتلاك سياسات وإجراءات مكتوبة تفصل بين نشاط صناعة السوق وأي نشاط آخر يمارسه المتقدم، بطريقة تمنع تسرب المعلومات المتعلقة بصناعة السوق إلى الموظفين الذين يمارسون أنشطة أخرى لدى عضو السوق. وثالثها استيفاء المتطلبات الفنية والتقنية والأمنية التي تحددها السوق.

المسار الإجرائي محدد بمهل قصيرة. يقدم الراغب طلباً مكتوباً بالنموذج المعد لذلك على ورقة مالية بعينها، وللسوق أن تطلب معلومات إضافية يقدمها المتقدم خلال 10 أيام من تاريخ الطلب، ثم تصدر السوق قرارها بالموافقة أو الرفض مع أسبابه خلال مدة أقصاها 10 أيام من استلام الطلب مكتملاً. والموافقة وحدها لا تكفي: لا يبدأ المتقدم العمل صانعاً للسوق حتى يوقّع اتفاقية صناعة السوق مع السوق، ولا يجوز ممارسة النشاط دون اتفاقية سارية. وعليه أن يتوقف فوراً عند تعليق عضويته في السوق أو إلغائها.

ما الذي يلتزم به صانع السوق بعد التوقيع

الالتزام الأول بنيوي: يخصص صانع السوق حساباً لدى مركز الإيداع وحساباً لدى الطرف المقابل المركزي يقتصر استخدامهما على ممارسة صناعة السوق على الورقة أو الأوراق المحددة في الاتفاقية. هذا الفصل الحسابي هو ما يجعل نشاط صناعة السوق قابلاً للقياس والرقابة بمعزل عن باقي أعمال العضو.

ويظل صانع السوق مسؤولاً عن جميع تصرفاته أثناء ممارسة النشاط، وعن تصرفات عملائه حين يسمح لهم بإدخال أوامر مباشرة عبر نظام إدارة الأوامر لديه، مع إفصاح عن هوية العميل للسوق وتخصيص حسابات منفصلة له. وعليه إشعار السوق فوراً عند إخفاقه في الوفاء بأي من هذه الالتزامات. وللسوق أن تمنحه حوافز وفق إجراءات صناعة السوق والاتفاقية، وأن تنهي الاتفاقية أو تعلقها بناءً على تعليمات الهيئة أو عند إخلاله بالتزاماته، وتنشر الإنهاء على موقعها الإلكتروني. ويحفظ صانع السوق سجلاً محدثاً لكل أنشطته لمدة عشر سنوات من آخر نشاط. وللسوق أن تطلب منه تعيين جهة مستقلة للتحقق من التزامه بأحكام اللائحة.