ملاحظة تحريرية: هذا شرح تعليمي عام حول كيفية عمل آلية صناعة السوق في الأسواق المالية بشكل عام. المحتوى معلومات عامة وليس نصيحة استثمارية، ولا يتناول أي شركة أو سهم أو حدث حالي بعينه.
لماذا يستطيع متداول في منتصف يوم تداول هادئ، حين يكون عدد المشترين والبائعين النشطين قليلاً، أن ينفذ أمر بيع أو شراء لسهم معين خلال أجزاء من الثانية دون أن ينتظر طويلاً حتى يظهر طرف مقابل؟ الإجابة تكمن غالباً في وجود طرف لا يظهر اسمه في نشرات الأخبار، لكنه حاضر باستمرار خلف الكواليس: صانع السوق. في السوق المالية السعودية، كما في كثير من الأسواق النامية والناشئة حول العالم، يلعب صناع السوق دوراً محورياً في ضمان استمرار حركة التداول بسلاسة، خصوصاً في الأسهم الأقل نشاطاً.
ما هو صانع السوق ولماذا وُجد؟
صانع السوق هو عادة مؤسسة مالية مرخصة، مثل شركة وساطة أو ذراع استثمار تابعة لبنك، تتعهد أمام هيئة السوق المالية والجهة المشغلة للبورصة بالوقوف بشكل مستمر على جانبي عرض السهم، أي أنها تعرض في الوقت نفسه سعراً للشراء وسعراً للبيع لسهم أو أكثر من الأسهم المدرجة. هذا الالتزام يعني أن هناك دوماً طرفاً مستعداً للتعامل مع أي متداول آخر يريد الدخول أو الخروج من مركزه، حتى في غياب مشترين أو بائعين طبيعيين آخرين في تلك اللحظة.
نشأت الحاجة لهذا الدور لأن بعض الأسهم، خصوصاً في الشركات متوسطة وصغيرة الحجم السوقي، لا تحظى باهتمام تداول كافٍ بشكل يومي. من دون طرف يوفر عروض أسعار مستمرة، قد يجد المستثمر نفسه عاجزاً عن تنفيذ صفقته إلا بعد انتظار طويل، أو مضطراً لقبول سعر بعيد جداً عن القيمة العادلة بسبب ندرة الأوامر المقابلة. صانع السوق يسد هذه الفجوة، وهو ما دفع تداول (السوق المالية السعودية) إلى تبني برنامج رسمي لصناعة السوق يشمل عدداً متزايداً من الأسهم المدرجة على مر السنوات.
كيف يوفر صانع السوق السيولة عملياً؟
الآلية الجوهرية بسيطة في مبدئها وإن كانت معقدة في تنفيذها: يحدد صانع السوق باستمرار سعرين، سعر الشراء (Bid) الذي يعرض عنده شراء السهم، وسعر البيع (Ask) الذي يعرض عنده بيعه، مع فارق صغير بينهما يُعرف بالفارق السعري أو “الهامش” (Spread). هذا الفارق هو مصدر الربح الأساسي لصانع السوق مقابل الخدمة التي يقدمها وتحمّله المخاطر المرتبطة بالاحتفاظ بمخزون من الأسهم على حسابه الخاص.
عندما يرغب مستثمر في بيع كمية من سهم ما ولا يوجد مشترٍ آخر في تلك اللحظة، يستطيع صانع السوق شراء تلك الكمية بنفسه عند السعر المعروض، لتصبح جزءاً من مخزونه، ثم يعيد بيعها لاحقاً حين يظهر مشترٍ طبيعي. هذه الوساطة المستمرة تقلل من التقلبات الحادة الناتجة عن اختلال مؤقت بين العرض والطلب، وتضيق الفارق السعري مقارنة بالوضع الذي لا يوجد فيه صانع سوق، مما يقلل تكلفة التداول على جميع المشاركين في السوق. وتفرض الجهات التنظيمية عادة على صناع السوق التزامات محددة، مثل حد أدنى لحجم عروض الأسعار ونسبة زمنية معينة يجب أن يظل خلالها صانع السوق حاضراً في السوق خلال جلسة التداول، مع رقابة مستمرة على مدى التزامه بهذه المعايير.
أثر صناعة السوق على المتداولين اليوميين
بالنسبة للمستثمر العادي، يظهر أثر صناعة السوق في مؤشرات ملموسة يمكن ملاحظتها في شاشة التداول: عمق دفتر الأوامر، أي حجم الكميات المعروضة عند مستويات أسعار مختلفة، وضيق الفارق بين أفضل سعر شراء وأفضل سعر بيع. كلما كان السهم مشمولاً ببرنامج صناعة سوق نشط، زاد احتمال أن يجد المتداول سيولة كافية لتنفيذ أمره دون تحريك السعر بشكل كبير، وهي ظاهرة تُعرف بـ"الانزلاق السعري" (Slippage) وتمثل تكلفة خفية على المتداولين في الأسواق الأقل سيولة.
مع ذلك، من المهم فهم أن وجود صانع سوق لا يعني غياب التقلب أو ضمان تحرك سعر السهم في اتجاه معين؛ فدور صانع السوق يقتصر على تسهيل عملية التداول نفسها وتضييق الفوارق السعرية، وليس التأثير على الاتجاه العام لسعر السهم الذي يتحدد بعوامل العرض والطلب الأساسية المرتبطة بأداء الشركة والعوامل الاقتصادية الأوسع. فهم هذا الفارق يساعد المتداولين على تقييم جودة التنفيذ في الأسواق التي يتعاملون فيها بشكل أدق، بمعزل عن أي توقعات حول اتجاه الأسعار.