هذه المادة تثقيفية تشرح كيف يتحدد سعر الطرح العام في السوق المصرية، وهي ليست نصيحة استثمارية، وتستند إلى المصادر الرسمية المدرجة في نهايتها.

تحليل: ماذا يثبت التسعير عند قمة النطاق وماذا لا يثبت

يثبت التسعير عند الحد الأعلى أمراً واحداً محدداً: أن كمية الطلبات المسجلة في سجل البناء السعري عند ذلك المستوى كانت كافية لتغطية الطرح وفقاً للطريقة المفصح عنها في النشرة. ولأن دفتر الأوامر لا يطلع عليه إلا الهيئة ومدير الطرح، فإن قارئ الخبر لا يرى توزيع الطلب ولا تركزه، ولا يعرف كم من الطلب جاء من مستثمرين مؤهلين وكم منه من أفراد.

ولا يثبت أن السعر يساوي القيمة العادلة. فدراسة القيمة العادلة وثيقة منفصلة يعدها مستشار مالي مستقل بافتراضات مقدمة من الإدارة، ويصدر عنها تقرير من مراقب الحسابات. والفارق بين نتيجة تلك الدراسة وسعر الطرح النهائي هو أحد أكثر الأرقام دلالة في النشرة، وهو متاح للقارئ الذي يبحث عنه.

ولا يثبت أن السعر سيصمد. وجود بند لآلية استقرار سعر السهم عقب الطرح ضمن بنود النشرة يعني أن المشرع نفسه يفترض احتمال عدم الاستقرار، وأن التعامل معه منظم لا عشوائي. القارئ الدقيق يقارن سلوك السعر أثناء فترة عمل حساب الاستقرار بسلوكه بعد انتهائها.

وثمة سياق كمي يفسر لماذا شغلت هذه القواعد المنظم في 2019. فقد أشارت الهيئة عند إصدار القرار إلى اتجاه لزيادة عدد الشركات التي ستقيد لها أوراق مالية بالبورصة، سواء من طروحات القطاع الخاص أو من برنامج طروحات الشركات المملوكة للدولة، بما كان متوقعاً أن يضيف حوالي 35 شركة جديدة ليصل العدد إلى 275 شركة مقيدة، مع ارتفاع القيمة السوقية إلى 1.6 تريليون جنيه بنهاية عام 2022 طبقاً للاستراتيجية الشاملة للأنشطة المالية غير المصرفية. أي أن تفصيل قواعد التسعير جاء استعداداً لموجة طروحات، لا رد فعل على واقعة بعينها.

والمؤشرات التي تستحق المتابعة في أي طرح ثلاثة: أسلوب التسعير المفصح عنه في النشرة، والفارق بين نطاق السعر ونتيجة دراسة القيمة العادلة، ووجود آلية الاستقرار ومدتها. هذه الثلاثة منشورة قبل الاكتتاب، ولا تحتاج إلى انتظار نتيجة التخصيص.

ما تقوله الوثائق

حين ينتهي طرح عام عند الحد الأعلى من النطاق السعري المعلن، تقرأ العناوين ذلك كإشارة قوة. القراءة أدق من ذلك: النطاق نفسه صنعه مدير الطرح قبل أسابيع، والسعر النهائي ناتج عن إجراء موثق تحكمه قواعد مكتوبة، لا عن استفتاء على قيمة الشركة. ومعرفة تلك القواعد هي ما يسمح بتفسير النتيجة بدل الاكتفاء بالتصفيق لها.

الإطار الحاكم في مصر هو قرار مجلس إدارة الهيئة العامة للرقابة المالية رقم 48 لسنة 2019 بضوابط وإجراءات الطرح العام والخاص، الصادر بعد دخول تعديلات قانون سوق رأس المال بالقانون رقم 17 لسنة 2018 حيز التنفيذ، إلى جانب أحكام اللائحة التنفيذية لقانون سوق رأس المال رقم 95 لسنة 1992. والقانون نفسه هو الذي يرسم حدود المصطلحات: تعرّف المادة 4 مكرر منه الاكتتاب العام بأنه عرض أوراق مالية أو أدوات مالية على أشخاص طبيعيين أو اعتباريين غير محددين سلفاً عند إصدار هذه الأوراق أو الأدوات، وتعرّف الطرح الخاص بأنه عرضها على أشخاص تتوافر فيهم شروط معينة سواء عند الإصدار أو بعده، ويفوض القانون مجلس إدارة الهيئة في إصدار الضوابط الواجب الالتزام بها عند طرح أي أوراق أو أدوات مالية في اكتتاب عام أو طرح عام أو طرح خاص بحسب نوع الورقة. ومن هذا التفويض بالذات يستمد القرار 48 لسنة 2019 سنده.

أسلوبان لتحديد السعر لا أسلوب واحد

أوجب القرار على الشركة الراغبة في طرح أوراقها المالية إبرام عقد مع مدير الطرح لتنفيذ عملية الترويج والتغطية وتنفيذ الاكتتاب، وأن يحدد بالعقد آلية تحديد سعر الطرح: إما على أساس السعر المحدد، وإما وفقاً لآلية البناء السعري، على أن يفصح عن ذلك في نشرتي الطرح الخاص والعام.

وفي الحالتين معاً تتلقى طلبات الاكتتاب وعروض الشراء من خلال نظم آلية بالهيئة، لا يطلع عليها إلا الهيئة ومدير الطرح. هذه النقطة تحديداً هي التي تفصل بين الشفافية والسرية في العملية: السوق لا يرى دفتر الأوامر أثناء بنائه، والرقابة تراه.

وألزم القرار مدير الطرح بتوثيق طريقة التخصيص وتحديد السعر وإثبات كافة البيانات المتعلقة بالاكتتاب وأي تعديلات وتوقيتاتها في سجل آلية البناء السعري، وبتحديد السعر النهائي للطرح العام وفقاً للطريقة التي يفصح عنها بنشرة الطرح العام، وبإرسال نسخة من ذلك إلى الهيئة فور الانتهاء من عملية الطرح. أي أن السعر النهائي ليس اجتهاداً لحظياً بل نتيجة طريقة معلنة سلفاً يمكن مراجعتها بأثر رجعي.

دراسة القيمة العادلة: متى تكون إلزامية

حدد القرار الشروط والإجراءات الواجب اتباعها عند الطرح العام، ومنها التزام الشركة الراغبة في الطرح بتقديم دراسة قيمة عادلة إذا كان الطرح لأول مرة، أو إذا كانت للشركة أوراق مالية مقيدة لكن التعامل عليها غير نشط، وذلك وفقاً للقواعد الصادرة عن البورصة وتعتمدها الهيئة. وتعد الدراسة طبقاً لمعايير التقييم المالي الصادرة بقرار مجلس إدارة الهيئة رقم 1 لسنة 2017، وتحت مسئولية معدها، ووفقاً للإقرارات الواردة بالمادة 85 من اللائحة التنفيذية لقانون 95 لسنة 1992.

واللائحة التنفيذية بدورها تفصل ما يجب أن تتضمنه نشرة الطرح. فالمادة 85 مكرر تلزم بإدراج موجز تقرير المستشار المالي المستقل عن القيمة العادلة للسهم وتقرير مراقب الحسابات على هذا التقرير، مع إقرار من المستشار المالي المستقل وإقرار من رئيس مجلس إدارة الشركة عن صحة وسلامة الافتراضات المقدمة إلى المستشار لتحديد القيمة العادلة. أي أن الافتراضات، لا النتيجة وحدها، محل مسئولية موقعة بالاسم.

ما الذي يجب أن يقرأه المكتتب في النشرة

تحدد المادة 85 مكرر قائمة تفصيلية لبنود نشرة الطرح تتجاوز الأرقام المالية. من بينها تطور رأس المال المرخص به والمصدر والمدفوع، وهيكل المساهمين المالكين لنسبة 5% فأكثر طبقاً لبيان شركة الإيداع والقيد المركزي، وبيان الرهون والقروض والتسهيلات الائتمانية المرتبة على أصول الشركة والشركات التابعة، وبيانات الأسهم المرهونة أو المخطط رهنها أو تجميدها، والأسهم المتاحة للتداول في تاريخ تقديم النشرة، وبيانات المساهمين الرئيسيين عارضي البيع في عملية الطرح، وهيكل المساهمين قبل الطرح وبعده.

كما تشمل النشرة موجز إفصاحات تتعلق بعملية الطرح ذاتها، وعلى الأخص أسباب الطرح وموقف المساهمين الرئيسيين وفقاً لقواعد قيد وشطب الأوراق المالية والمساهمين المجمدة أسهمهم لمدد محددة بقرارات جمعيات عامة غير عادية، وموجز القوائم المالية التاريخية في جداول مقارنة لثلاث سنوات، وأحكام وآلية استقرار سعر السهم عقب الطرح.

آلية الاستقرار وقيود التمويل

أجاز القرار للشركات الراغبة في الطرح العام استخدام آلية استقرار سعر السهم في السوق عقب الطرح وفقاً لعدد من الضوابط. وتعمل الآلية عبر مدير الطرح على أسهم الشركة المصدرة في حالة عدم استقرار السعر، من خلال أمر شراء بنظام حساب الاستقرار المفتوح بالبورصة المصرية لراغبي البيع. وجودها في النشرة يعني أن حركة السعر في الأيام الأولى قد تكون مدعومة بأمر شراء منظم، وهي معلومة تغير قراءة الأداء المبكر.

وعلى الجانب الآخر حظر القرار على شركات السمسرة في حالة الطرح العام منح تمويل للعملاء وتسجيل أوامر شراء غير مغطاة قيمتها بنسبة السداد المحددة من موارد العميل الذاتية. أما في الطرح الخاص فحدد القرار المستثمر المؤهل حصراً، وشمل الأشخاص الطبيعيين الذين تكون لهم أصول سائلة بقيمة 5 مليون جنيه ويفضل أن تكون لديهم خبرة في مجال الأوراق المالية لمدة 5 سنوات على الأقل، مع التزامات على مدير الطرح بالتحقق من الملاءة والاحتفاظ بالمستندات.