هذه المادة تثقيفية عامة تشرح الفرق التنظيمي بين مساري الطرح في السوق المصرية، وليست نصيحة استثمارية، وهي مستندة إلى الوثائق الرسمية المدرجة في نهاية المقال.
تحليل: تخفيف الإفصاح مشروط بقدرة المشتري لا برغبة المُصدر
المنطق الحاكم للطرح الخاص ليس تسهيل التمويل على الشركات، وإن كان ذلك أثراً جانبياً حقيقياً. المنطق أن كلفة الإفصاح المفصل تكون مبررة حين يكون المشتري غير قادر على انتزاع المعلومة بنفسه. المؤسسة المالية أو صندوق المعاشات يستطيع التفاوض على بنود العقد وطلب بيانات إضافية وتوظيف مستشارين، والمستثمر الفرد لا يملك أياً من ذلك، فتحل النشرة المعتمدة محل قوة التفاوض التي يفتقدها.
ويُستدل على صحة هذه القراءة من موضع التخفيف نفسه. التخفيف يقع في نوع المستند وفي إجراءات الإغلاق، ولا يقع في اشتراط موافقة الهيئة، ولا في التصنيف الائتماني عند القيد، ولا في متطلبات الإفصاح المستمر بعد القيد. المشرع خفف ما يخدم سرعة التنفيذ، وأبقى ما يخدم سلامة المعلومة.
وحدود ما يقوله وصف الطرح واضحة. كون الإصدار طرحاً خاصاً لا يعني أنه أقل جودة ولا أنه أقل رقابة، كما أن كونه اكتتاباً عاماً لا يعني أن مخاطره أقل. الوصف يقول من سُمح له بالشراء ابتداءً، ولا يقول شيئاً عن الجدارة الائتمانية ولا عن التسعير. القارئ المدقق يسأل سؤالين محددين: على أي مستند اعتُمد الطرح، نشرة اكتتاب أم مذكرة معلومات، وهل صارت الورقة متاحة للتداول لاحقاً لجمهور لم يكن مخاطباً بها عند الإصدار. الإجابة عن السؤالين معاً تحدد ما إذا كان مستوى الإفصاح الأصلي ما زال متناسباً مع من يحملها اليوم.
ما تقوله الوثائق
الفارق بين الطرح الخاص والاكتتاب العام في مصر ليس فارقاً في حجم الإصدار ولا في نوع الورقة المالية. هو فارق في هوية من يُسمح له بالشراء، ومن هذا الفارق وحده تتفرع كل الاختلافات الأخرى: نوع المستند الذي يُعد، ومدى تفصيل الإفصاح، وطريقة إغلاق باب الاكتتاب، وما إذا كانت الورقة قابلة للقيد والتداول بعد ذلك.
ثلاثة تعريفات في نص واحد
أضاف القانون رقم 17 لسنة 2018 إلى قانون سوق رأس المال رقم 95 لسنة 1992 مادة تعريفية تفصل المصطلحات فصلاً حاسماً. الاكتتاب العام هو عرض أوراق مالية أو أدوات مالية على أشخاص طبيعيين أو اعتباريين غير محددين سلفاً عند إصدار هذه الأوراق أو الأدوات. والطرح العام هو عرض أوراق أو أدوات مالية مصدرة بالفعل على أشخاص غير محددين سلفاً. أما الطرح الخاص فهو عرض أوراق أو أدوات مالية على أشخاص طبيعيين أو اعتباريين تتوافر فيهم شروط معينة، سواء عند إصدار هذه الأوراق أو بعد ذلك.
العنصر الحاسم في التعريفات الثلاثة هو عبارة غير محددين سلفاً. المسار العام يخاطب جمهوراً مفتوحاً، والمسار الخاص يخاطب دائرة معرفة قبل بدء العرض. ولهذا يشترط القانون في الحالة الأولى ما لا يشترطه في الثانية: لا يجوز لأي شخص اعتباري طرح أوراق أو أدوات مالية في اكتتاب عام للجمهور إلا بناءً على نشرة اكتتاب معتمدة من الهيئة وعلى النماذج التي تعدها الهيئة. ومع ذلك فإن التعديل نفسه أعطى مجلس إدارة الهيئة سلطة إصدار الضوابط الواجب الالتزام بها عند طرح أي أوراق أو أدوات مالية في اكتتاب عام أو طرح عام أو طرح خاص، بحسب نوع الورقة أو الأداة. أي أن الطرح الخاص ليس منطقة خالية من التنظيم، بل منطقة ينظمها قرار الهيئة لا نص القانون مباشرة.
من هو المستثمر المؤهل
اللائحة التنفيذية تسمي الدائرة المسموح لها بالشراء في المسار الخاص وتحددها. المستثمرون المؤهلون هم المستثمرون من ذوي الملاءة المالية وفقاً للضوابط التي تضعها الهيئة، والأشخاص الاعتبارية من المؤسسات المالية وصناديق المعاشات وشركات وصناديق الاستثمار، وغيرها من الشركات والمؤسسات المتخصصة في الاستثمار في الأوراق المالية. التعريف يجمع بين قدرة على تحمل الخسارة وخبرة في تقييم الأداة، وهما الشرطان اللذان يبرران تخفيف متطلبات الإفصاح.
ويظهر أثر هذا التعريف في تصميم أدوات بعينها. صندوق الاستثمار المغلق هو صندوق يتم طرح وثائقه من خلال طرح خاص يقتصر على المستثمرين المؤهلين، ولا تُسترد وثائقه إلا في نهاية مدته، ومع ذلك يجوز طرح وثائقه في اكتتاب عام على أن يتم قيده والتداول على وثائقه في بورصة الأوراق المالية. وصندوق الملكية الخاصة هو صندوق استثمار مباشر مغلق يستثمر أمواله في شراء أوراق مالية مقيدة وغير مقيدة، ويتم طرح وثائقه طرحاً خاصاً، ويجوز قيده في بورصة الأوراق المالية.
وتظهر التفرقة نفسها في أدوات أخرى داخل اللائحة. فصناديق الملكية الخاصة وصناديق الاستثمار العقاري ذات الطرح الخاص يجوز لها إصدار وثائق تُسدد قيمتها على دفعات، وهو ترتيب لا يستقيم مع اكتتاب عام يخاطب جمهوراً واسعاً، لأنه يفترض التزاماً مستمراً من المكتتب وقدرة على متابعته والوفاء به عند الطلب. المرونة التعاقدية هنا ليست امتيازاً مجانياً، بل نتيجة مباشرة لكون الطرف الآخر مستثمراً مؤهلاً.
إغلاق باب الاكتتاب: الفرق العملي الأوضح
في الطرح الخاص يجوز غلق باب الاكتتاب فور تغطيته، وفقاً للشروط المنصوص عليها بمذكرة المعلومات. هذه الجملة القصيرة تختصر فلسفة المسارين. الاكتتاب العام يحتاج فترة معلنة تتيح لجمهور غير محدد أن يعلم ويقرر ويتقدم، بينما الطرح الخاص موجه إلى دائرة معلومة سلفاً، فلا معنى لإبقاء الباب مفتوحاً بعد اكتمال التغطية.
ومع ذلك تبقى موافقة الهيئة قائمة في المسارين. لا يجوز طرح وثائق صناديق الاستثمار للاكتتاب العام أو الطرح الخاص إلا بعد الحصول على موافقة الهيئة، ومع ذلك يجوز بموافقة الهيئة الترويج للصندوق في حالة الطرح الخاص وفقاً لضوابط محددة في اللائحة. الترويج نفسه، وهو النشاط الذي يفصل عملياً بين مخاطبة الجمهور ومخاطبة دائرة مغلقة، خاضع لإذن مسبق.
ويكمل هذا الترتيب حكم عقابي يجعل الخط بين المسارين قابلاً للإنفاذ. يعاقب قانون سوق رأس المال بغرامة كل من تصرف في أوراق مالية أو أدوات مالية على خلاف القواعد المقررة فيه، وهو نص عام يغطي حالة من يعرض على جمهور مفتوح ورقة صدرت في مسار مغلق. المخالفة هنا لا تتعلق بمحتوى الورقة بل بمن عُرضت عليه.
عندما يلتقي المساران عند باب البورصة
الفصل بين المسارين لا يستمر إلى الأبد. تشترط قواعد قيد وشطب الأوراق المالية بالبورصة المصرية لقيد السندات وصكوك التمويل الصادرة عن شركات المساهمة والأشخاص الاعتبارية المصرية أن تكون قد طُرحت للاكتتاب العام أو الخاص بناءً على نشرة اكتتاب أو مذكرة معلومات معتمدة من الهيئة، أياً كان القانون الخاضع له مصدرها، مع تقديم شهادة توضح درجة التصنيف الائتماني الممنوح للإصدار. وينطبق منطق مماثل على وثائق صناديق الاستثمار المغلقة المصرية، إذ يشترط تقديم نشرة الاكتتاب العام أو مذكرة المعلومات في حالة الطرح الخاص معتمدة من الهيئة.
بعبارة أخرى، الورقة التي صدرت في طرح خاص يمكن أن تنتهي متداولة أمام الجمهور، لكن بابها إلى التداول يمر عبر مستند معتمد من الهيئة ومتطلبات إفصاح مستمرة مماثلة لما يُطلب من غيرها.