هذه المادة تثقيفية تشرح آلية عمل أدوات التمويل السيادي بوجه عام، وهي ليست نصيحة استثمارية، وتستند إلى المصادر الرسمية المدرجة في نهايتها.

يشترك السند الحكومي التقليدي والصك السيادي في نتيجة واحدة تقريباً: دفعات دورية للمستثمر ثم مبلغ عند تاريخ الاستحقاق. غير أن الطريق القانوني إلى هذه النتيجة مختلف تماماً، وهو مرسوم بنص تشريعي مصري محدد وليس بعرف سوقي. القانون رقم 138 لسنة 2021 بإصدار قانون الصكوك السيادية، الصادر في 15 أغسطس سنة 2021، هو الوثيقة التي تحدد من يصدر الصك، وعلى أي أصل يقوم، وماذا يملك حامله بالضبط، وماذا يحدث للأصل عند نهاية المدة.

النقطة التي يغفلها كثير من الشروح المتداولة هي أن القانون لم يكتف بإجازة الإصدار، بل بنى حوله ثلاثة كيانات: جهة مصدرة، وشركة مساهمة مملوكة لها بالكامل، ولجنة رقابة شرعية وفنية. فهم توزيع الأدوار بين هذه الكيانات الثلاثة هو الطريق الوحيد لفهم لماذا لا تنتقل ملكية أصول الدولة في أي مرحلة.

ما الذي أنشأه القانون رقم 138 لسنة 2021

نصت المادة الأولى من قانون الإصدار على أن أحكام القانون المرافق تسري على الصكوك السيادية، وعلى ألا تسري عليها أحكام أي قانون آخر يتعارض معها. هذه صياغة حاسمة عملياً، لأنها تعزل الأداة عن التنازع مع التشريعات العامة. وأوجبت المادة الثانية من قانون الإصدار أن يصدر رئيس مجلس الوزراء اللائحة التنفيذية خلال ثلاثة أشهر من تاريخ العمل بالقانون، بناء على عرض وزير المالية، وبعد أخذ رأي الأزهر الشريف والهيئة العامة للرقابة المالية. أي أن الجهة الدينية والجهة الرقابية المالية دخلتا في صلب صناعة النص التنفيذي، لا في مرحلة لاحقة استشارية.

وحصرت المادة 2 حق إصدار الصكوك السيادية في الجهة المصدرة دون غيرها، وربطت استخدام الحصيلة بتمويل المشروعات الاستثمارية والتنموية المدرجة بالموازنة العامة للدولة ضمن خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية، على أن تودع تلك الحصيلة في حساب خاص أو أكثر بالبنك المركزي. هذان القيدان معاً، حصر الإصدار وتخصيص الحصيلة، يجعلان الصك السيادي أداة موازنة عامة لا أداة تمويل لجهة بعينها.

حق الانتفاع دون الرقبة: أين تقف ملكية الدولة

جوهر الهيكل موجود في المادة 11. الأصول الخاضعة لأحكام القانون تستخدم أساساً للإصدار عن طريق تقرير حق الانتفاع بها دون حق الرقبة، أو عن طريق تأجيرها، أو بأي طريق آخر يتفق مع عقود الإصدار ومع مبادئ الشريعة الإسلامية. وتحديد هذه الأصول لا يترك للجهة المصدرة، بل يصدر به قرار من مجلس الوزراء بناء على عرض الوزير المختص.

ومنحت المادة 7 مالكي الصكوك جميع الحقوق والالتزامات المقررة شرعاً للمنتفع بالأصول المتخذة أساساً للإصدار، بما في ذلك الحق في الأرباح الدورية بما يتناسب مع مقدار مساهمة الصك. وفي المقابل حظرت المادة 4 أن تتضمن أي صيغة من صيغ الإصدار نصاً بضمان حصة مالك الصك في الأصول، أو بضمان عائد مقطوع أو منسوب إلى قيمة الصك، مع عدم الإخلال بالحق في التعويض في حالتي التعدي أو التقصير. وقيّمة هذين النصين معاً أنهما يمنعان تحويل الصك إلى دين مضمون بالأصل.

أما الحماية العملية للأصل نفسه فجاءت في المادة 13: لا يجوز الحجز أو اتخاذ أي إجراءات تنفيذية على الأصول التي تصدر على أساسها الصكوك أثناء مدة الصك، ويقع باطلاً أي إجراء يتم بالمخالفة لذلك. وعند نهاية المدة يسترد المالك القيمة الاستردادية وينتهي حق الانتفاع المقرر على الأصول، وفقاً للمادة 10. ووضعت المادة 14 حداً أقصى لمدة الصك السيادي هو ثلاثون عاماً، مع جواز إعادة التصكيك بعد نهاية المدة الأصلية لمدة أو لمدد مماثلة.

شركة التصكيك السيادي ولجنة الرقابة

الكيان الوسيط الذي يقوم عليه الهيكل تنظمه المادة 15. الجهة المصدرة مرخص لها بتأسيس شركة مساهمة مصرية واحدة أو أكثر للتصكيك السيادي، غرضها إدارة وتنفيذ التصكيك لصالحها داخل مصر أو خارجها، وتكون الشركة مملوكة لها بالكامل، وتعمل بصفتها وكيلاً عن مالكي الصكوك مع حق متابعة استثمار الحصيلة في أغراضها المحددة. واشترط النص ألا يقل رأس المال المصدر والمدفوع للشركة عن مليون جنيه مصري، وأجاز أن يحدد النظام الأساسي رأس مال مرخصاً به لا يزيد على عشرة أمثال رأس المال المصدر.

وأضافت المادة 17 قيوداً على استمرار الشركة طوال حياتها: قصر الغرض على إدارة وتنفيذ الإصدار، ووجود مقر ثابت مستقل وبنية تكنولوجية لازمة، وخبرة العضو المنتدب في مجال العمل، وأن تكون غالبية أعضاء مجلس الإدارة من غير التنفيذيين. أما المادة 16 فربطت التأسيس بإخطار الهيئة العامة للرقابة المالية مرفقاً به النظام الأساسي وشهادة بنكية بتمام الاكتتاب في جميع الأسهم وشهادة من إحدى شركات الإيداع والقيد المركزي.

ولجنة الرقابة، التي تخضع لها وفق المادة 5 عملية التصكيك ونشرة الإصدار وعقد الإصدار وما يرتبط بها من عقود، شكلتها المادة 19 من رئيس من ذوي الخبرة الاقتصادية وستة أعضاء غير متفرغين، بينهم ثلاثة من ذوي الخبرة في التمويل وعضو قانوني يرشحهم الوزير المختص، واثنان من ذوي الخبرة في الشريعة الإسلامية يرشحهما شيخ الأزهر الشريف. ومدة العضوية ثلاث سنوات قابلة للتجديد، ولا تصح قرارات اللجنة إلا بموافقة أحد العضوين المصريين من ذوي الخبرة الشرعية على الأقل.

الحفظ والقيد والمعاملة الضريبية

أوجبت المادة 8 حفظ الصكوك السيادية التي تطرح داخل مصر لدى شركة الإيداع والحفظ والقيد المركزي المختصة وفقاً لأحكام قانون الإيداع والقيد المركزي للأوراق والأدوات المالية الصادر بالقانون رقم 93 لسنة 2000، وقيدها بالبورصة المصرية. ويتم قيد الصك وشطبه بقرار من إدارة البورصة بناء على طلب الجهة المصدرة، ويتم تداوله وفقاً لقواعد التداول المعمول بها في شأن الأوراق المالية الحكومية. أما ما يطرح خارج مصر فيحفظ لدى أحد البنوك الدولية المعنية بالإيداع والحفظ والقيد المركزي وفقاً للمادة 9.

وحسمت المادة 6 مسألة تشغل المستثمر الأجنبي: تسري على عوائد الصكوك السيادية وعلى عائد التداول عليها المعاملة الضريبية المقررة على سندات الخزانة العامة. وتتولى اللجنة العليا للتقييم، المنشأة بالمادة 12، تقييم حق الانتفاع أو تقدير القيمة الإيجارية للأصول وفقاً لمعايير التقييم المالي للمنشآت ومعايير التقييم العقاري، وتعرض نتائج أعمالها على مجلس الوزراء لاعتمادها.

تحليل: ما الذي يثبته هذا الهيكل وما الذي لا يثبته

يثبت النص أن أصل الدولة لا يخرج من ملكيتها. ما ينتقل هو حق انتفاع مؤقت دون حق الرقبة، ومحصن أثناء المدة ضد الحجز والتنفيذ، ثم ينتهي بانتهاء المدة. لكن النص لا يثبت أن حامل الصك يحمل مخاطر أصل عيني بالمعنى الاقتصادي، لأن المادة 2 تربط الحصيلة بالموازنة العامة، والمادة 6 تسوي المعاملة الضريبية بسندات الخزانة، والمادة 8 تخضع التداول لقواعد الأوراق المالية الحكومية. القارئ الدقيق يقرأ في هذه المواد الثلاث معاً أن الملاءة محل التقييم هي ملاءة الدولة.

المقارنة مع المسار الآخر مفيدة. صكوك الشركات في مصر تنظمها تعديلات قانون سوق رأس المال رقم 95 لسنة 1992 الصادرة بالقانون رقم 17 لسنة 2018، وقرار رئيس مجلس الوزراء رقم 2479 لسنة 2018 بتعديل اللائحة التنفيذية. وبحسب بيانات الهيئة العامة للرقابة المالية صدر أول صك للشركات خلال عام 2020، وبلغ عدد الإصدارات ستة بنهاية عام 2023 بقيمة 12.8 مليار جنيه، ثم صدرت خمسة صكوك خلال عام 2025 بقيمة 20.7 مليار جنيه، ليبلغ الإجمالي 33.5 مليار جنيه. المسار السيادي منفصل عن هذه الأرقام تماماً، لأنه يقوم على قانون خاص وجهة إصدار واحدة.

وما يستحق المتابعة عملياً ثلاثة أمور يذكرها القانون صراحة ولا ترد عادة في الملخصات التعريفية: قرار مجلس الوزراء الذي يحدد الأصول محل الإصدار، وتقرير الهيئة العامة للرقابة المالية السنوي عن نشاط شركة التصكيك السيادي الذي تنص المادة 18 على تقديمه إلى رئيس الجمهورية ومجلس النواب ورئيس مجلس الوزراء، ومدى التزام الشركة بإمساك حسابات مستقلة لكل إصدار. هذه الثلاثة هي ما يسمح بالحكم على الفارق بين الهيكل كما كتب وبين الهيكل كما ينفذ.