هذه المادة تثقيفية تشرح آليات حماية المتعاملين في سوق الأوراق المالية بوجه عام، وهي ليست نصيحة استثمارية، وتستند إلى المصادر الرسمية المدرجة في نهايتها.

تحليل: لماذا يفشل التوقع الشائع عن التعويض

المقارنة بين الآليتين تفسر معظم حالات خيبة الأمل. صندوق ضمان التسوية ممول من أعضاء المقاصة ومن نسبة من أرباح شركة مصر للمقاصة، ويدفع لإتمام تسوية، والمستفيد المباشر منه هو الطرف المقابل في الصفقة وليس المستثمر الذي يشكو من خسارة. وصندوق حماية المستثمر ممول من رسوم صغيرة على الحفظ والتداول ومن مساهمات الشركات المقيدة، وسقفه خمسمائة ألف جنيه لكل عميل، وهو سقف يحدد طبيعته: تعويض جزئي عن سلوك أو إفلاس، لا ضمان لرأس المال.

ثمة أيضاً فارق في لحظة التفعيل. التسوية تتم أو لا تتم في اليوم نفسه، ولذلك بنيت أدوات الصندوق الأول على الغرامة اليومية بنسبة واحد في المائة والتقرير الشهري إلى الهيئة، أي على السرعة والمتابعة اللصيقة. أما تعويض المستثمر فمعلق على واقعة يثبتها قرار من مجلس إدارة الصندوق أو تحقيق للهيئة أو حكم قضائي نهائي، وهو مسار زمني أطول بطبيعته.

والقارئ الذي يريد تقدير قوة الحماية فعلياً ينظر إلى ثلاثة أشياء لا إلى وجود الصندوقين: نسبة الشركات المقيدة التي استوفت شرط العضوية بعد قرار 2024، ومدى انتظام التقرير الشهري عن نشاط صندوق ضمان التسوية، وحجم الحالات التي انتهت بقرار تعثر صادر عن مجلس إدارة صندوق الحماية. هذه هي المؤشرات التي تفصل بين إطار مكتوب وإطار عامل.

ما تقوله الوثائق

يخلط كثير من المتعاملين في البورصة المصرية بين آليتين مختلفتين تماماً في الغرض والممول والحدود. الأولى صندوق ضمان التسوية الذي تديره شركة مصر للمقاصة والإيداع والقيد المركزي، ووظيفته أن تتم التسوية في موعدها حين يتخلف عضو عن الوفاء. والثانية صندوق حماية المستثمر من المخاطر غير التجارية، وهو كيان تأميني مستقل يعوض خسارة فعلية لحقت بعميل أو بمساهم في حالات محددة على سبيل الحصر. الأولى تحمي المنظومة، والثانية تحمي الشخص، والخلط بينهما هو مصدر معظم التوقعات الخاطئة.

صندوق ضمان التسوية: التزام قانوني على شركة المقاصة

أساس هذا الصندوق هو المادة 18 من قانون الإيداع والقيد المركزي للأوراق المالية الصادر بالقانون رقم 93 لسنة 2000. تلزم المادة الشركة بأن تنشئ وتدير صندوقاً لضمان الوفاء بالالتزامات الناشئة عن عمليات الأوراق المالية، ويلتزم الأعضاء بالاشتراك فيه، ويصدر بنظامه وبقواعد الاشتراك فيه وبمقابل التأخير عن الوفاء بالاشتراك قرار من مجلس إدارة الهيئة العامة للرقابة المالية بناء على عرض مجلس إدارة الشركة.

وأضاف النص، بعد تعديله بموجب القانون رقم 143 لسنة 2004، عقوبة مالية صريحة: غرامة قدرها واحد في المائة من قيمة المبالغ موضوع الالتزامات المتأخرة والناشئة عن عمليات الأوراق المالية، عن كل يوم من أيام التأخير في الوفاء بها. هذه الغرامة اليومية ليست تفصيلاً هامشياً، فهي التي تجعل التأخر في السداد مكلفاً بما يكفي لردع العضو عن الاعتماد على الصندوق كمصدر تمويل قصير الأجل.

ويعامل القانون هذا الصندوق ككيان محاسبي منفصل. تلزم أحكام القانون الشركة بإنشاء إدارة خاصة لكل من نشاط الإيداع المركزي ونشاط القيد المركزي ولصندوق ضمان التسوية. وتجيز اللائحة التنفيذية تخصيص نسبة من صافي أرباح الشركة لتمويل صندوق ضمان التسوية، على أن يبين نظام الصندوق كيفية تحديد الربح القابل للتوزيع وقواعد توزيعه. وتفرض اللائحة على الشركة موافاة الهيئة بتقرير شهري عن نشاط صندوق ضمان التسوية، إلى جانب تقرير يومي عن عمليات التداول التي تتم تسويتها.

والقواعد التي يعمل بها الصندوق حالياً صدرت بقرار الهيئة العامة للرقابة المالية رقم 68 لسنة 2024، وتغطي مخاطر المقاصة الناشئة عن تمثيل الطرف المقابل المركزي في التسويات. وهذا التوصيف مهم: الصندوق أداة إدارة مخاطر داخل حلقة المقاصة، وليس تعويضاً يطلبه المستثمر الفرد.

صندوق حماية المستثمر: ماذا يغطي بالضبط

الصندوق الآخر أعيد تنظيمه بقرار رئيس مجلس الوزراء رقم 2339 لسنة 2019 ليصبح، بحسب توصيف الهيئة العامة للرقابة المالية، صندوق تأمين للمتعاملين في الأوراق المالية من المخاطر غير التجارية الناشئة عن أنشطة الشركات المقيد لها أوراق أو أدوات مالية بالبورصات المصرية والشركات العاملة في مجال الأوراق المالية.

وتغطية الصندوق مقسمة إلى مسارين. المسار الأول يخص عملاء الشركات العاملة في مجال الأوراق المالية، ويغطي الخسارة المالية الفعلية الناشئة عن حالتين: إفلاس العضو أو تعثره، وتتحدد حالة التعثر وبدايتها بقرار من مجلس إدارة الصندوق وفقاً لتقرير الهيئة، أو خطأ العضو أو إهماله أو غشه أو احتياله، سواء بنفسه أو بالاشتراك مع الغير، وفقاً لنتيجة التحقيقات التي تجريها الهيئة أو الجهات القضائية أو الرقابية.

والمسار الثاني يخص مساهمي الشركات المقيدة، ويغطي إفلاس العضو أو صدور أحكام نهائية لصالح مالكي الأوراق حرة التداول ضد إدارة العضو في حالات التدليس أو الإهمال الجسيم، ويغطي كذلك الشطب الإجباري للأوراق المالية من جداول البورصات المصرية متى كان ناتجاً عن تقصير أو إهمال إدارة العضو، ومن بين ذلك القيد بناء على بيانات مضللة أو مستندات مزورة، دون إخلال بحق الصندوق في الرجوع على المتسبب.

أين يتوقف الالتزام: الحدود التي يجهلها كثيرون

الحد الأهم منصوص عليه في المادة العاشرة من قرار إعادة التنظيم: وحدة التغطية بحد أقصى خمسمائة ألف جنيه لكل عميل أو لكل مالك ورقة أو أداة مالية حرة التداول بحسب الأحوال. ويشمل التعويض الرصيد النقدي الدائن بالحساب الناتج عن تعاملات العميل في الأوراق والأدوات المالية لدى العضو، بما لا يتعدى مائة ألف جنيه.

والاستثناء الأوضح هو أن الصندوق لا يلتزم بالتعويض عن أي خسائر مالية تنتج عن التغير في القيمة السوقية للأوراق والأدوات المالية الخاصة بالعميل، أو الناتجة عن ضياع فرص استثمار أمواله بمعرفة العضو. أي أن هبوط سعر السهم، مهما بلغ، خارج نطاق التغطية بالكامل. أما طريقة التقدير عند التعويض فمحددة أيضاً: يعوض الصندوق مساهمي العضو المالكين للأوراق حرة التداول بما يعادل متوسط أسعار إقفال الورقة خلال آخر ثلاثة أشهر تم التداول فيها عليها، فإن لم يكن هناك تداول فبالقيمة العادلة التي يحددها مستشار مالي مستقل تختاره الهيئة من بين المقيدين بسجلاتها بعد سداد الصندوق أتعابه.

من يمول الصندوق ومن يلزم بالانضمام إليه

موارد الصندوق تأتي من اشتراكات ومساهمات محددة النسب. خفض قرار إعادة التنظيم الرسوم التي تسددها شركات أمناء الحفظ من 11 في المائة ألف من قيمة محفظة العميل إلى خمسة في المائة ألف بحد أقصى 100 جنيه لكل عميل، وخفض رسوم شركات السمسرة من اثنين في العشرة آلاف إلى واحد في العشرة آلاف من قيمة المعاملة المسجلة بالفاتورة، وخفض اشتراك شركات تكوين وإدارة محافظ الأوراق المالية إلى خمسة في المائة ألف بدلاً من 11 في المائة ألف بحد أقصى 100 جنيه لكل عميل. وحدد القرار اشتراك شركة المقاصة والتسوية والإيداع المركزي بنسبة 2 في المائة من إجمالي الإيرادات من هذه الأنشطة.

أما الشركات المقيدة فتساهم بنسبة واحد على عشرة آلاف من القيمة الاسمية لرأس المال المصدر، بحد أدنى عشرة آلاف جنيه وبحد أقصى مائة ألف جنيه، وتخفض المساهمة بنسبة 50% بالنسبة للشركات الصغيرة والمتوسطة المقيدة في بورصة النيل. ثم انتقل الانضمام من كونه التزاماً مالياً إلى كونه شرطاً للبقاء في السوق: ففي 28 يوليو 2024 أعلنت الهيئة قراراً يلزم الشركات المقيد لها أوراق مالية بالبورصة المصرية بالانضمام لعضوية صندوق حماية المستثمر من المخاطر غير التجارية وسداد مقابل العضوية كشرط من شروط استمرار القيد، مع تعهد الممثل القانوني بالانضمام فور القيد واستمرار العضوية طوال فترة القيد، ومهلة ثلاثة أشهر للتوافق.